لانا نسيبة إلى قيادة الأمم المتحدة.. ترشيح إماراتي يفتح آفاقاً جديدة للدبلوماسية العربية
بقلم رئيس التحرير/ ضحى السعفي
في خطوة تحمل أبعاداً دبلوماسية واستراتيجية تتجاوز حدود المنافسة على منصب دولي رفيع، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة ترشيح وزيرة الدولة لانا زكي نسيبة رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في مبادرة تعكس ثقتها بكفاءاتها الوطنية، وتؤكد حضورها المتنامي في صياغة القضايا الدولية والإسهام في تطوير منظومة العمل متعدد الأطراف.
ويأتي هذا الترشيح في مرحلة دقيقة من تاريخ العلاقات الدولية، تتزايد فيها الحاجة إلى قيادة تمتلك القدرة على بناء الجسور بين الدول، وإدارة الخلافات بالحوار، وتعزيز فرص السلام في عالم تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية. ومن هذا المنطلق، فإن ترشيح نسيبة لا يمثل مجرد خطوة في مسارها الدبلوماسي، بل يطرح أيضاً تصوراً لدور عربي أكثر فاعلية في المؤسسات الدولية، يقوم على الخبرة والانفتاح والشراكة في مواجهة التحديات المشتركة.
وقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، الترشيح رسمياً عبر خطاب وُجّه إلى رئاسة الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي، وفق الإجراءات المعتمدة لاختيار الأمين العام الجديد، مشيراً إلى خبرة نسيبة الواسعة في الأمم المتحدة، وقدرتها على التعامل مع التحديات الدولية، وسجلها في العمل الدبلوماسي البنّاء.
خبرة دولية تؤهل للحوار وصناعة التوافق
تستند لانا نسيبة في ترشحها إلى مسيرة دبلوماسية تمتد لسنوات طويلة من العمل في قلب المنظومة الأممية. فقد تولت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وهي فترة شهدت ملفات دولية بالغة التعقيد، من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية إلى تحديات التنمية المستدامة والتغير المناخي وإصلاح المؤسسات الدولية.
وخلال هذه المسيرة، شغلت مناصب ومسؤوليات مهمة، من بينها نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورئيس المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، كما شاركت في جهود إحياء دور الجمعية العامة وتعزيز النقاشات المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن. وترأست الإمارات مجلس الأمن مرتين خلال عضويتها غير الدائمة للفترة 2022-2023، وكانت نسيبة من الوجوه الدبلوماسية التي اضطلعت بمسؤوليات بارزة خلال تلك المرحلة.
وتمنح هذه التجربة المرشحة معرفة عملية بآليات اتخاذ القرار الدولي، وطبيعة التوازنات بين الدول، وأهمية التفاوض في تقريب وجهات النظر. فقيادة الأمم المتحدة لا تقوم على المكانة السياسية وحدها، بل تتطلب أيضاً مهارات التيسير والوساطة، والقدرة على الاستماع إلى الأطراف المختلفة، وتحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، تبرز قيمة الخبرة المؤسسية التي اكتسبتها نسيبة، بما قد تتيحه لها من فهم معمق لاحتياجات المنظمة الدولية، والفرص المتاحة لتطوير أدائها، وتعزيز قدرتها على الاستجابة للأزمات المتلاحقة.
الإمارات والدبلوماسية القائمة على الشراكة
يعكس هذا الترشيح توجهاً إماراتياً نحو مواصلة الاستثمار في الدبلوماسية الفاعلة، وتوسيع نطاق المشاركة في معالجة القضايا التي تشغل المجتمع الدولي. فقد أصبحت التحديات المعاصرة مترابطة على نحو يجعل التعاون بين الدول ضرورة عملية، سواء تعلق الأمر بالأمن والسلم الدوليين، أو بالأمن الغذائي، أو بالتنمية الاقتصادية، أو بالتغير المناخي، أو بالتطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تكتسب الدبلوماسية القائمة على الحوار والشراكات أهمية متزايدة، لأنها تتيح بناء مساحات مشتركة بين الدول، حتى عندما تختلف مصالحها أو رؤاها السياسية. كما أن تعزيز فاعلية المؤسسات الدولية يتطلب تطوير أدواتها، وتحسين التنسيق بين أجهزتها، ورفع قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تستجيب لتطلعات الشعوب.
ويمنح ترشيح شخصية تمتلك خبرة مباشرة في العمل الأممي دولة الإمارات فرصة إضافية لعرض رؤيتها بشأن مستقبل التعاون الدولي، وتطوير أداء المنظمة، وتعزيز التوازن بين مقتضيات الأمن الدولي وأولويات التنمية والعمل الإنساني. وتظل هذه الرؤية، بطبيعة الحال، رهناً بما يمكن أن تحظى به المرشحة من توافق دولي خلال مراحل الاختيار.
المرأة العربية في قلب القرار الدولي
يحمل ترشيح لانا نسيبة بعداً مهماً يتعلق بمشاركة المرأة في مواقع القيادة العالمية. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام للمنظمة، وهو ما يجعل أي ترشيح نسائي جاد لهذا الموقع مناسبة لإعادة فتح النقاش حول توسيع فرص المشاركة المتكافئة في أعلى مستويات صنع القرار الدولي.
ولا ينبغي اختزال أهمية هذه الخطوة في كون المرشحة امرأة عربية، بل في اجتماع هذا البعد مع الكفاءة المهنية والخبرة الدبلوماسية والمعرفة المؤسسية. فتمكين المرأة من القيادة لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بإتاحة الفرص أمام الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، والمشاركة في معالجة الملفات الكبرى، والإسهام في بناء حلول مستدامة.
فتمكين المرأة من القيادة لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بإتاحة الفرص أمام الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، والمشاركة في معالجة الملفات الكبرى، والإسهام في بناء حلول مستدامة.
كما يبعث هذا الترشيح برسالة إيجابية إلى الأجيال الشابة في المنطقة العربية، مفادها أن الحضور في المؤسسات العالمية يمكن أن يكون امتداداً للعمل المهني المتراكم، والقدرة على الحوار، والانخراط الفاعل في القضايا التي تتجاوز الحدود الوطنية. وهو ما يعزز أهمية الاستثمار في التعليم والتأهيل الدبلوماسي، وتوسيع مشاركة النساء في مجالات السياسة والعلاقات الدولية وصناعة القرار.
قيادة الأمم المتحدة أمام اختبار الثقة والفاعلية
يأتي ترشيح نسيبة فيما تستعد الأمم المتحدة لمرحلة انتقالية جديدة، مع انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، على أن يبدأ الأمين العام الجديد مهامه في الأول من يناير 2027، إذا استكملت إجراءات الاختيار في موعدها.
وتواجه المنظمة في هذه المرحلة تحديات متزايدة تتصل بقدرتها على منع النزاعات، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتعزيز احترام القانون الدولي، ودفع أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية ترفع من كفاءة أدائها وتدعم ثقة الدول والشعوب بها.
وتزداد أهمية هذه الملفات في ظل اتساع الفجوة بين التوقعات الشعبية والنتائج التي تتمكن المؤسسات الدولية من تحقيقها. فالمجتمع الدولي لا يحتاج إلى قيادة تكتفي بإدارة الاجتماعات وإصدار البيانات، بل إلى قيادة قادرة على تفعيل الدبلوماسية الوقائية، وتيسير التسويات، وتحسين التنسيق بين الدول والهيئات الأممية، وإظهار أثر العمل الدولي في حياة الناس.
وقد أكدت نسيبة، في إعلان ترشحها، أهمية التحرك المبكر لاحتواء الأزمات، وجمع الأطراف المتباعدة، والعمل على تحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة. وهي مقاربة تكتسب أهمية خاصة في وقت أصبح فيه نجاح الدبلوماسية يقاس، إلى جانب قدرتها على احتواء الخلافات، بمدى إسهامها في منع تفاقمها وتقليل كلفتها الإنسانية والاقتصادية.
المنافسة الدولية ومسؤولية بناء التوافق
وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، تتولى الجمعية العامة تعيين الأمين العام بناءً على توصية من مجلس الأمن. ويحتاج المرشح إلى تأييد تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر عضواً في المجلس، مع عدم استخدام أي من الأعضاء الدائمين الخمسة حق النقض ضده.
وتجعل هذه الآلية من بناء التوافق الدولي عنصراً حاسماً في المنافسة، إذ لا تكفي الخبرة المهنية أو التأييد الذي يحظى به المرشح من بعض الدول، ما لم يتمكن من تجاوز الحسابات السياسية وتباينات المصالح بين أعضاء المجلس.
وقد أظهرت الجولات التمهيدية التي سبقت إعلان الترشيح أن السباق لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن الوصول إلى توافق بشأن الشخصية التي ستقود المنظمة الدولية يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة. ومن ثم، فإن ترشيح نسيبة يدخل المنافسة من بوابة الخبرة والتمثيل العربي، لكنه يظل بحاجة إلى دعم دولي كافٍ لعبور المراحل الرسمية للاختيار.
ولا يقلل ذلك من أهمية الخطوة الإماراتية، فالمنافسة على هذا المنصب لا تتعلق ببلد أو شخصية فحسب، بل بمستقبل مؤسسة دولية يُنتظر منها أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى التعاون.
ترشيح يتجاوز حدود المنافسة
إن القيمة الأبرز لترشيح لانا نسيبة تتمثل في فتح المجال أمام حضور عربي أكثر تأثيراً في النقاش العالمي حول مستقبل الأمم المتحدة، وفي طرح الخبرة الدبلوماسية بوصفها أداة لبناء التوافق وتطوير العمل الدولي. كما أنه يعكس أهمية إعداد الكفاءات القادرة على تولي مسؤوليات عالمية، انطلاقاً من المعرفة المؤسسية والقدرة على إدارة الملفات المعقدة.
ومهما تكن نتيجة المنافسة، فإن هذه الخطوة تمنح الدبلوماسية العربية مساحة جديدة لعرض رؤاها ومقارباتها بشأن السلام والتنمية والإصلاح المؤسسي، وتؤكد أن المشاركة في قيادة المؤسسات الدولية تبدأ من امتلاك الخبرة والقدرة على تقديم حلول تحظى بقبول واسع.
فالأمم المتحدة، في نهاية المطاف، ليست مجرد منصة للتعبير عن مواقف الدول، بل مؤسسة يفترض أن تجمعها حول أهداف مشتركة، وأن تحوّل التعدد والاختلاف إلى فرص للتعاون. ومن هذا المنظور، يمثل الترشيح الإماراتي فرصة لتجديد النقاش بشأن القيادة الدولية المطلوبة للمرحلة المقبلة: قيادة تجمع بين الخبرة والانفتاح، وبين الرؤية والقدرة على الإنجاز، وتضع الإنسان في صميم العمل متعدد الأطراف.
إن الطريق إلى منصب الأمين العام لا يزال محكوماً بإجراءات وتوازنات دولية دقيقة، لكن طرح اسم عربي يتمتع بهذه الخبرة يضيف بعداً جديداً إلى المنافسة، ويؤكد أن المنطقة العربية قادرة على الإسهام في النقاش العالمي حول مستقبل الحوكمة الدولية، ليس بوصفها طرفاً يتأثر بالقرارات فحسب، بل شريكاً في صياغتها والمشاركة في تنفيذها.
جربة تكرّم المخرج السعودي عمر الجاسر في الدورة الثانية عشرة لمهرجان سينما المرأة والشباب
متابعة: رجاء البجاوي تحلّق السينما العربية والدولية مجدداً في سماء جزيرة جربة التونسية، من…







