‫الرئيسية‬ شذى العنبر القصة القصيرة الزئبقي : الكاتبة والاعلامية مليكة الجباري
القصة القصيرة - شذى العنبر - 30 أكتوبر، 2017

الزئبقي : الكاتبة والاعلامية مليكة الجباري

جلسَتْ على صّخرة كبرى كانت قِبلةَ أموا البحرِكلَّ حين ….صخرةٌ متراميةُ الأطرافِ  في البحر , الجالسُ فوقَها يَخالُ نفسَهُ في جزيرة …. أخذَت منها موقعها المفضّل  كلَّما تُريد الانفِرادَ بذاتِها و العودةَ إلى كُنْهِهَا … تذهبُ إلى هناك تجلسُ  على مُذنّبات  تلكَ الصخرةِ فتشعر بحنانِها و تحس بدفئها نحوَها لذلك اتّخَذَت ْمنها ملجأٍ لها … وضعتْ رجليها  الممتلئتين  في مياهِ البحرِ   و تأمّلَتُهمَا  جيّدا  و آنسابت  في حوارٍ مع مياهِ البحرِ و أمواجهِ …

 مشهدٌ جميلٌ   صادقٌ صاف علَّهُ يٌنسيهَا  ما تَرْجُو فِرَاقَهُ ذاكِرَتَهَا المُرْهَقَة  , رفعَتْ رأسَها إلى السّماء و نظرتْ نحوَ الأَمام , نحوَ بحرٍ  لا حدودَ لهُ,  مختلفةٌ ألوانُه متشكِّلة في خطوطٍ متدرجة  من اللّون الأزرق حتّى الأخضَر  حَسَبَ الأعماق  … ألوانٌ سحرَتْ عَيْنَيْهَا البَحْرِيَتَيْن  و أخذَت  لبَّها  فآنصَهَرَت  في سِحْرِهَا  و عادَتْ بها الذَّاكِرَةُ  إلى فترةٍ خَلَتْ  منْ حَيَاتِهَا …

طَرَقَ أبْوَابَهَا وَ دَخَلَ دونَ انْتِظاِر ردِّ الاستئْذاَن  ,

كان زائرًا مفاجئًا لم يَخْطُرْ لهَا علَى بَال  و لا جَالَ  ببَالِهَا يومًا  , لم تَنتَظِر قدومَ أيَّ زائرٍ بلْ أغلقتْ أبْوابَ حُصُونِهَا و أحكمَتْ إِيصَادَهَا  فهيَ تَخشَى فتحَ الأبواب لأنثى مثْلهَا  , الكلُّ يحاولُ الانبلاجَ إلى عالمِهَا وكان  صدّها كان منيعا… إلا أن  قرع الأبوَاب هذه المرّة  كان متميزا  ولافتًا و بأسلوبٍ جلبَهَا و شدَّها  إلى شجاعته وإلى  استثنائيّته  دون ذكورِ الكون ….كان حديثه غير حديث بني جنسه من الذكور …كانت الأصالة  توشّح المبادئ َالتي يتبنّاها , كان شهما  في مواقفه في زمن غابت فيه الشّهامة بل انتفت تماما …

تبنّى مشاغلَها بعمق استثنائي  حتّى انشغلَ فكرُها بذلك الانشغال بحثت في أسبابه فلم تجد إجابة تشفي حيرتَها المتنامية من تلك الشّهامة الفارعة و سَكنَ الصّداعُ رأسَها المثقلة هموما و تفكيرا  وهَجَرَها النَّومُ و كُلّمَا تذكّرَتْهُ زادَ الصّداعُ و تَوَغّلَتْ الحيرةُ في ذاتِها  و شَعرَ بجَزِعِهَا وهو  الخبيرُ في الأنثى… و طَمأَنَهاَ بأَلاّ  تَجزَعَ و تَهْنَأ بَالا و فِكرا …كانت كلّمَا تَخْلو بنفسِهاَ تَجُولُ فِكرُهَا الشّرْقَ و الغربَ  و تخطّ الأرضَ طُولَهَا و عَرْضَهَا …كانت حَيْرَتُهَا كبيرةً في سِرّ تلكَ  الشّهَامَة و “العَنْتَرِيّة الصّارِخَة “هل هي خالِصَة أم للإيقَاع بها  في شِرَاكِ حِبَالِهِ المتداخِلَة الأخطبوطية  وهي التي لا تثق ذكرا أبدا …

انخَرَطَتْ في ذكْرَياتِها حتّى الانْصِهَار و الذَّوَبَان و لم تَعُد إلى عالَمِ النّاس  إلاّ عندَماَ لَطَمَتْ أمْواجُ البحْرِ الثّائرة وَجهَهَا الصّبُوح …  مَشْهَدٌ أذْهَلَهَا … ثِيَابها أصبحت  مُبّلّلّة ’ ضَحِكَتْ و قَهْقَهَتْ حَتّى تَعَالَى صَوْتُهَا ….و فجأة انهمرت دموع من عيْنَيْها ,فَرِحَتْ للبُكاءِ فَهيَ تريدُ البكاءَ منذُ فترةٍ  لكن الدّموع كانت مَنيعَة …كانتْ شحيحة إلاّ بعض الدمعات نزلت من مُقْلَتَيْهَا  فكانت كالجَمْرِ,   كانت

كالنّار و تَسَبّبَت في تّشُوّهِ جَفْنَيْهَا وَحُرْقَةِ وَجْنَتَيْهَا فَاْلتَجَأَتْ للأَدْوِيَة طَلَبًا للشّفَاء …..جَمَرَاتٌ نَزَلَتْ مِن عَيْنَيْهَا البَرِيئَتَيْن كانت كَافيَة للْخَوْفِ منَ الدّمُوع لكن الحُرْقَة ُ سَكَنَتْ رُوحَهَا وَ حَرَقَتْ نَفْسِيَتَهَا الطّاهِرَة ….

كانَتْ قدْ قَرّرَتْ السّكَنَ داخِلَ أَعْمَاقِ دِيرِهَا وَ في أَعَالي صَوْمَعَتِهاَ .. انتهت اللّعبة مَعَ بني الذّكَرِ ….ذلك قَدَرُهَا و اقْتَنَعَتْ به  وَ لَمْ تَتَخَيّل لَحْظَةً  أن يَأتِيَ اليومُ الذّي  يُخْرِجَهَا ذَكَرٌ من دِيرِهَا أو يُنزِلُهَا من أَعاليِ صَومَعَتِها … كان القرار نهائيا و قاطعا  إلى أن اتّصل بها ذات زمن …ذات يوم ربيعي …ذات صبح  مشرق …ذات ساعة كآبة … لعبت الصّدَفُ  دورَهَا و هيّئَتْ الظّروف ذلك …. كان الاتصال عاديا كالعادة سؤال عن الأحوال  و المشاغل و الأخبار و تعدّدت  وتيرة الاتّصال بها و تنوّعت و آختار أحلى الكلمات و أبلغها لتحيّتها و أحسن الرسائل  و أكثرها تأثيرا فيها  … و إظهار الإعجاب  بها  و  بشخصها بمبادئها و بها عموما …. تذكر جيّدا حين قال لها ذات يوم “أين كنت غائبة عني  أنا أحتاجك ” لن تنسى أبدا هذه الجملة ما عاشت ولا نبرات صوته عند النطق بها ….

نزلت كلماته كالثّلج على صدرها و كالصّاعقة في إذنها  ’هل تصدّق ما قال ….هل تقبل ما  قال ؟  هل تقفل الخط ّفي وجهه ؟هل ؟هل؟ هل ؟؟؟؟؟

بدأت تشعر بالحاجة إلى الاستماع إلى حديثه و بدأت تحقق بعض الرّاحة معه لكن الجزع يسيطر على فكرها حتى التفكير المتواصل حتى الإرهاق و هجرها النوم إلا لغفوات  فزعا و شغفا….

جاهد  و جاهد و جاهد طويلا  طويلا  طويلا  من أجل الإيقاع  بها  و الإطاحة بها  ,لجأ إلى  كل المنافذ التي توصل إلى شعيرات قلبها الحنون و نجح  في أن يكون نصيبه منها حبّا فريدا و شغفا استثنائيّا تجاوزا كل أنواع العشق بل تجاوزاها كلّها  بدرجات مجتمعة …عشقته لذاته لا تعرف حياته و لا تفاصيلها و لا ,ولا, ولا  ….هكذا سكن روحها النقيّة   دون النّظر إلى خفايا حياته ….كانت تنشغل عليه انشغال الأم لوليدها…..يهجرها النوم لمشاغله و أتعابه  ….دعاءها له لا ينقطع آناء الليل و أطراف النهار … كان دوما يطلب منها الدعاء له  و تذكر ذات مرة قال لها “إدع لي بأن يحقق الله أحلامي ” فقالت له “الله يحقق أحلامك الحلال ” فقال لها “كل أحلامي حلال لا يذهب خيالك بعيدا “ما جعلها ترتاح أكثر لحديثه و توجهاته و اتجاهاته  …

 كانت حياة رائعة …كانت كالطفلة تلهو أينما تشاء … كالفراشة  تطير في السماء ….

كانا يقضيان الساعات الطّوال معا …ينصتان إلى أغاني الطّرب الأصيل فكلاهما يهوى فنّ العمالقة ’ كانا يختاران الأغاني المعبّرة عن مشاعرهما ,كان سبّاقا في إهداء الأغاني و القصائد و يجيد اختيار الكلمات المناسبة و القصائد الغزلية عبر العصور و عرف كيف يعزف على أوتار قلبها  النّقيّ  حتّى أصبحت أسيرته و سقطت بآمتياز  في فخّ ألاعيبه …

خياله لا يفارق فكرها ,تراه في كل لحظة تعيش معه بإحساس عميق تراه بقلبها في كلّ مكان وأينما حلّت  و حيث يحلّ ,طيفه لا يغادر عالمها المرهف الإحساس…

شعرت “بصدقه ” نحوها يكبر مع كلّ تواصل و خلال كلّ لحظة  و حتّى دون تواصل  , ملك كيانها المهموم فأصبح رمز سعادتها و صارت مصدر سعادته كما  كان يحلو له أن يقول لها … تذكر جيدا أنّه كان يغضب و يسأل عن سبب غيابها أو تأخّرها  في التّواصل معه حتّى ألغت كلّ شيء في حياتها حتّى لا تنشغل بأمر آخر دونه أو يشغلها عنه إنسان غيره وأصبح مركز حياتها و…و صار حياتها …

ساعات و ساعات  يقضيانها معا ثم يفترقان فيقوم الحلم بدوره … كانت الأحلام  متزاحمة, كان كثير رؤيتها في المنام وهي كذلك ’لكن كان يراها وليمة و كانت تراه روحا , كان يراها عهرا و كانت تراه طهرا ,بريئة حتّى في رؤاها الليلية , في منامها , طاهرة حتّى في لاوعيها,,, لم تعر الأمر أهميّة و أرجعت ذلك إلى كونه ذكر و الذكر ليس كالأنثى , فهو يعيش وحيدا دون أنثى بعد أن  فارق  طليقته   منذ فترة…

لا تستطيع نسيان علامات تعلّقه بها وحبّه لها و شغفه بها  و عبارات العشق في أجلّ معانيها التي كان يستعملها ….كان ملهوفا للتواصل معها كان حتّى في أصعب اللّحظات وأدقّ  المواقف يرسل الرّسائل إليها  عبر جوّاله للتعبير عن ذلك حتّى لا تنشغل لغيابه القصير ,تتذكّر توقيت كل رسالة و محتواها و نقاطها و فواصلها رغم محوها نزولا عند طلبه ,كانت لا ترفض له طلبا كان يحبّ سياسة المحو و يتبناها لغاية في نفسه …

ازدحمت الذكريات أمام عينيها و تراءت لها علاقتهما بكلّ تجليّاتها و في أحلى مكوّناتها,,,تتذكّر جيّدا حين غضب ذات مرّة و هجرها مدّة أسبوع ثم عاد ملقيا اللّوم على غيابها و على سوء ظنّها به  …و تتذكر جيّدا سبب ذلك حيث قالت له إنّه لا يفقه كنه  الكلمات والمفردات التي يتلفّظ بها و أنّه يستعملها  بحكم العادة و الاستعمال …  كان  كثيرا ما يستعمل ألفاظ العشق و الهيام ….تذكر جيّدا كيف استشاط غضبا واتّهمها بجرح رجولته … تذكر جيدا أنّه قال لها  منذ البداية أنه سليل و حفيد  “علي بن غذاهم ” رمز الرجولة و الشهامة و النضال ….نسب جعلها تشعر بارتياح له  و خفف من وطأة الريبة التي تتملكها منه  ….لا تستطيع أن تنسى ما قاله لها  ذات يوم أنّه رآها في الحلم قبل أن يعرفها فآندهشت  للرواية و أعجبت  بها في الآن ذاته   فقرّب  ذلك  الحلم المسافة بينهما  فآنتفى الزمن  و عشقت ذلك الحلم و آعتبرته رسما  لحياة  مستقبلية معا …

تبيّن لها مع الأيام أنّها محقّة في مخاوفها منه  ,,,كان حدس الأنثى يقول لها واقعا غير الواقع الذي تعيشه معه …. و أنّها كانت مجرّد محطّة عابرة لملء الفراغ الذي يعيشه  في حياته التّي لا تستقرّ على أرض… سقته عسلا فرواها علقما  زعافا وهبته صدقا فأعطاها خداعا كانت بريئة معه فكان ذئبا مفترسا  معها…أجرم في حقّها كما لم يجرم ذكر في حق امرأة …عبث بها شرقا وغربا ,شمالا وجنوبا وفي كل الاتجاهات بكل عنجهية  و بكل ّ وحشية  ….

نظرت إلى السّماء,  بدأت الشمس في الغروب و انبعثت أشعّة الشّفق بخيوط برتقالية مضيئة  رفيعة ترتسم فوق زرقة البحر المترامي في التحام تامّ مع السّماء أمام جزيرتها الصّغيرة الحميمة…

تنهدت حتّى الشهيق …عاشت خطوبا كثيرة و زارها الدّهر بمصائب متنوعة إلا هذه فلم تحسب لها أي حساب فالبطل سيد الألاعيب و حابكها بدراية تعجز المفردات عن وصفها ولم يفعل  بها  ما فعل ذكر من ذكور الدنيا هو بها …تفنّن في الكذب و الخداع و لعب دور العاشق المتيم  ما جعلها تصدّقه  ببراءتها المعهودة و تعتبر خطاباته صدقا ما بعده صدق  ….

التفتت يمنة و يسرة كانوا حولها ثنائيات في مشاهد حبّ و هيام ..هل تصدق ما تشاهد أم أن الجميع كخادعها …لم تشأ أن تفكّر طويلا في مصائر هؤلاء ,يكفيها ما هي بصدده  , ألمها يكفي العمر كلّه و لن تندمل جراحه  أبدا …انهمرت دموعها مدرارا استبشرت  للبكاء, تريد أن تبكي أنهارا و أنهارا علّها تنسى خداعه و نفاقه لعلّ نفسيتها الكئيبة  تنفرج و يخفّ  ضغطها بتلك الدّموع   وينفرج كربها …

 شعرت بالبحر يجلبها و يناديها  “نحو الأعماق “…مضى  زمن طويل لم تصل تلك المناطق و لا حتى أقلّها عمقا …كانت تخشى دوما  ركوب  المجهول  و الدخول إلى الأعماق ,شعارها هجر المجهول  لا تريد خوض التجارب المجهولة العواقب  و لا المضمونة منها  اقتنعت بالتّقوقع على ذاتها و سعدت بذلك وآمنت بقدرها و آنتهى  الأمر و أغلقت الباب  ضدّ  كلّ ذكور الكون  إلى الأبد …

هل تنزل من دفء  مذنّبات صخرتها إلى مجهول البحر؟؟ …   هدير البحر آخذ في التصعيد…. و زبد الأمواج تكثف أمام عينيها البحريتين  و دون  تفكير طويل قفزت و آرتمت في أحضان البحر لم تستطع مقاومة رغبة جامحة في السّباحة علّها تنسى جرحها  الغائر …علّها تنسى ما فعله بها …علّها….علّها … ,أو تنسى   خداعه  و ألاعيبه و مكره,  فهي منذ أن ركبت صخرتها الحنون ذكرياته معها لا تفارق فكرها و خيالها…و كأنّه معها … شعرت بيد تمتد نحوها…إنّها   يده , هل  تصدق … إنّه هو… بجانبها يدعوها للسّباحة معا …انصهرت في الواقع الجديد …نسيت خداعه ولعب دور العاشق  المتيم  الذي أبدع في إتقانه ,وهي المتسامحة دوما حتّى الغباء وتجاوزت حدود ه بكثير …

التفتت نحو اليمين  فتراءى لها ….إنّه هو بملامحه بضحكته و بروحه المرحة…سبحا معا فينة  من الزّمن ثم التفتت يمنة و يسرة لكنّه غاب عن المشهد فجأة …ظنّت أنّه غاص تحت الماء  مزاحا  و لهوا و اتّجه نحو الأعمق فسبحت في الاتّجاه نفسه ,بحثت عنه في كلّ الاتّجاهات سباحة لكنّها لم تجد له مرأى…أصرّت على السّباحة علّها تجده مرّة أخرى …المفردات تتزاحم على شفتيها وعلى لسانها  حتّى أرهقت فكرها …تريد أن تقول له كلاما  كثيرا و تطرح عليه أسئلة ملحة علّها تشفي  غليلها …   تريد أن تسأله عن سبب جرمه في حقّها ؟ عن خداعه لها … لماذا  أبدع في اللعب بعواطفها ؟, بقلبها … بفؤادها ؟…  لماذا تشبث بعلاقته بها وهو بذلك الطبع المزاجي  المتقلّب  الألعباني  الذي لا يدوم على حال و لا موقف  و لماذا تلاعب بقلبها  المقهور و بأحاسيسها الطاهرة ؟ لماذا عبث

بصدقها شرقا و غربا  و طولا و عرضا  ؟؟….

اشتدت الأمواج  الثائرة مع هبوب رياح الأصيل  القوية  مع زحف اللّيل  ,لكنّها واصلت البحث عنه  في حوار صعب مرير مع الأمواج  التي عبثت بها في كل اتّجاه و صوب وأصرّت على هدفها  وبدأت تقاوم الموج الثّائر علّها تظفر مرّة أخرى بالحبيب الزئبقي …

فتحت عينيها   المتعبتين المحمرّتين  بصعوبة و جالت ببصرها أرجاء المكان  حدّقت النّظر  جيّدا ,إنّها في غرفة فيها أجهزة و أسلاك غير عادية لم ترها من قبل  …

وضع الطبيب يده على جبينها  مبتسما  وكان محاطا بطاقم طبّي كبير و قال لها “أنت الآن في غرفة العناية المركزة ” ,فاندهشت للمشهد , و قال طبيب ثان    ” مبروك اليوم  ميلادك “: “اليوم تعودين  للحياة  من جديد …لقد فقدنا الأمل في نجاتك بعد غرقك في أعماق البحر  وأصابك  أخطبوط   أسود عملاق و دخولك في غيبوبة تامّة طوال شهر …”

صدمت لحقيقة حالها ….شعرت بقهر يغمر نفسيّتها من جديد  … بغبن يعمّر فؤادها مرّة أخرى ….  بصداع شديد  بدوار يعصف برأسها …  بضيق في أنفاسها … بآختناق …. بزلزال يهزّ كامل جسدها  العليل المنهك…تتالت  أمام عينيها المتعبتين  صور  ذكرياتها الأليمة  معه … انهمرت  دموع  مدرارا  و رسمت خطوطا  على  جانبي  وجهها  الشاحب  حتى ابتلّت  أطراف الوسادة ….. لا تريد العودة إلى هذه الحياة  حتّى لا تتذكّر  خداعه  ولا غباءها الفريد . و لا قهره لها … حركت شفتيها  الجافتين لكنّها لم تستطع الكلام  … لم يستمع  الحاضرون  ما كانت  تتلفظ  به   من المفردات   لكن  سمع  صوتها  و حديثها  من تفوضه أمرها

  1. تونس ذات خريف 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − أربعة =

‫شاهد أيضًا‬

عندما كنا صِغار..!/ بقلم : الكاتبة أمل

ونحنُ صِغار.. كنا نجلس نراقب التلفاز .. ومتى ينتهي موجزالأخبار.. متمللين، منزعجين متثائبين…