‫الرئيسية‬ نسمات الحرية «فانا محط باش تتحط» لندى المازني حفيظ… حين تتحول المصلحة إلى حب
نسمات الحرية - نقد و دراسات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

«فانا محط باش تتحط» لندى المازني حفيظ… حين تتحول المصلحة إلى حب

ملصق فيلم فانا محط باش تتحط للمخرجة ندى المازني حفيظ

بقلم : ضحى السعفي

وجيهة الجندوبي تتألق في كوميديا رومانسية تراهن على خفة النص وتناغم الممثلين، وتمنح الجمهور حكاية تبدأ بالانتقام وتنتهي على إيقاع القلب.

في العرض ما قبل الأول لفيلم «فانا محط باش تتحط» للمخرجة التونسية ندى المازني حفيظ، وجدت نفسي أمام تجربة سينمائية تختار الكوميديا مدخلًا إلى العلاقات الإنسانية، وتستثمر الخيبات العاطفية والمفارقات الاجتماعية لصناعة حكاية خفيفة، قريبة من الجمهور. فيلم لا يدّعي أنه يقدم معالجة درامية ثقيلة، بقدر ما يراهن على نص طريف ومواقف مضحكة وشخصيات تجد نفسها في مواجهة أحداث لم تكن ضمن حساباتها. ومنذ البداية، يطرح العمل مفارقة تستحق المتابعة: هل يمكن لعلاقة تبدأ بالمصلحة أن تتحول إلى حب حقيقي؟
تجمع الأقدار فرح ومحمد مراد في زواج مصلحة، لكل منهما أسبابه الخاصة. ففرح، التي اكتشفت أن خطيبها خدعها وكان يخطب امرأة أخرى في الوقت نفسه، تقرر الانتقام منه واستعادة اعتبارها عبر زواج جديد. أما مراد، فتدفعه ظروف عائلته وأزمة والده المالية إلى البحث عن وسيلة للحصول على بعض المال من خلال «رمو الحنة»، بما يساعده على تخفيف الضائقة التي تعيشها أسرته. هكذا يدخل الطرفان العلاقة باتفاق يخدم مصالحهما، لكن ما يبدأ حساباتٍ وتدبيرًا للظروف ينتهي إلى مشاعر لم تكن في الحسبان. وتلك هي المفارقة الجميلة التي تقوم عليها الحكاية: حين يتفق العقل على ترتيب المصالح، يأتي القلب ليغيّر شروط الاتفاق.

قوة النص في خفة الحوار وذكاء المفارقة
ينجح الفيلم في عدد من مشاهده في استثمار هذه الفكرة لصناعة كوميديا تنبع من تناقض النوايا والمواقف، ومن المسافة بين ما تخطط له الشخصيات وما تعيشه فعلًا. وقد وجدت في النص جمالًا وخفة وروحًا مرحة، مع حوارات مضحكة تمنح المواقف حيويتها وتُبقي المشاهد قريبًا من الشخصيات. فالكوميديا الناجحة لا تحتاج دائمًا إلى حبكة معقدة، بل إلى كتابة تعرف كيف تلتقط تناقضات الحياة اليومية وتحولها إلى مفارقات مقنعة. ومع ذلك، كان يمكن لبعض المشاهد أن تكون أكثر اختصارًا، حتى يحافظ الفيلم على إيقاعه ويمنح حكايته الأساسية مساحة أكبر.
على مستوى الأداء، تتألق وجيهة الجندوبي كعادتها، مؤكدة امتلاكها أدوات كوميدية تجعل حضورها لافتًا، بفضل قدرتها على التحكم في الإيقاع والتعبير وتوقيت المفارقة. ويقدم سفيان الداهش أداءً ينسجم مع طبيعة العمل، فيما يضيف محمد مراد ويونس الفارحي حيوية إلى المشاهد المشتركة. وقد بدا التناغم بين الممثلين واضحًا في عدد من المواقف، من خلال سرعة التفاعل والتعبير المباشر وردود الفعل التي منحت الحوار طاقة إضافية. وهذا الانسجام ليس تفصيلًا عابرًا في فيلم كوميدي، بل أحد شروط نجاحه؛ فالمشهد المضحك لا تصنعه الكلمات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا قدرة الممثلين على التقاط اللحظة المناسبة ومنحها إيقاعها الطبيعي.

ملاحظات نقدية لا تنتقص من متعة المشاهدة
رغم نقاط القوة، لم يحافظ الفيلم على المستوى نفسه من الإيقاع طوال أحداثه. فقد بدت بعض اللقطات أقل ضرورة للحكاية، ولا سيما المشاهد المتعلقة بالكلب، التي لم أجد فيها إضافة درامية أو كوميدية واضحة تبرر حضورها. وكان من الممكن الاستغناء عنها أو توظيفها بما يخدم تطور الأحداث. كما أن بعض المقاطع فقدت شيئًا من حيويتها، وهو ما جعل الإيقاع يتراجع في لحظات كان يمكن أن تكون أكثر إحكامًا.
ومن الملاحظات الأخرى صورة الأب المريض، الذي يُفترض أنه رجل أعمال. فقد بدا لي الاختيار الشكلي للممثل بعيدًا عن الخلفية الاجتماعية للشخصية ومكانتها المفترضة. ولا يتعلق الأمر بفرض صورة نمطية على رجل الأعمال، بل بضرورة تحقيق الانسجام بين ملامح الشخصية وحضورها البصري وطريقة تجسيدها. أما سناء بن شيخ العربي، فقد شعرت بأن أداءها لم ينسجم بالقدر نفسه مع النسق السريع الذي ميّز عددًا من زملائها. وتبقى هذه ملاحظة شخصية، لأن تقييم الأداء لا ينفصل عن طبيعة الدور وخيارات الإخراج وتوجيه الممثلين.

ندى المازني حفيظ… من القضايا الاجتماعية إلى الكوميديا الرومانسية
تُعد ندى المازني حفيظ من المخرجات التونسيات اللواتي اشتغلن على موضوعات اجتماعية وإنسانية تتصل بتحولات المجتمع وأسئلته الحساسة. وقد درست السينما في مونتريال قبل عودتها إلى تونس، حيث اتجهت إلى الكتابة والإخراج والإنتاج.
من أبرز أعمالها فيلم «حكايات تونسية» (2011)، الذي اقترب من واقع المجتمع التونسي وتناقضاته، ثم الوثائقي «في الظل»، الذي تناول قضايا الحرية والهوية والعيش في مجتمع تحكمه حساسيات اجتماعية، وصولًا إلى فيلم «المابين»، الذي واصلت من خلاله الاشتغال على التجارب الإنسانية والعلاقات المعقدة.
ويأتي «فانا محط باش تتحط» ليمنح تجربتها زاوية مختلفة، من خلال الكوميديا الرومانسية بدل المقاربة الاجتماعية الأكثر مباشرة. فالانتقال إلى هذا النوع لا يعني بالضرورة التخلي عن الاهتمام بالإنسان، بل اختبار القدرة على مقاربة مشكلاته من خلال الضحك والمفارقة والعلاقات العاطفية. وفي هذا الفيلم، تتخذ الحكاية من الزواج والمصلحة والانتقام نقطة انطلاق، قبل أن تترك للمشاعر مهمة قلب المعادلة.

موعد مع الكوميديا التونسية على الشاشة الكبيرة
في المحصلة، يقدم «فانا محط باش تتحط» تجربة كوميدية خفيفة، فيها نص جميل ومضحك، وأداء لافت لوجيهة الجندوبي، وتناغم واضح بين عدد من أبطاله. وهو ليس فيلمًا بلا هنات، لكنه يعرف كيف يمنح الجمهور لحظات من المرح، ويطرح حكاية مألوفة في الحياة بصيغة طريفة: قد ندخل بعض العلاقات بحثًا عن منفعة أو رغبة في الانتقام، ثم نكتشف أننا أصبحنا أسرى مشاعر لم نخطط لها.
لذلك، أدعو الجمهور التونسي إلى اكتشاف الفيلم في القاعات، والاستمتاع بحكايته وأجوائه الكوميدية، وتكوين انطباعه الخاص عنه. فالسينما ليست بحثًا عن الكمال وحده، بل تجربة تُعاش على الشاشة الكبيرة، وتكتمل بحضور الجمهور وتفاعله واختلاف قراءاته. وبين ضحكة تصنعها المفارقة ومشهد يفتح باب النقاش، يقدم هذا العمل فرصة لطيفة لقضاء وقت ممتع مع الكوميديا التونسية.
ينطلق عرض «فانا محط باش تتحط» في القاعات التونسية ابتداءً من 14 أكتوبر 2026. موعد مع حكاية تبدأ بزواج مصلحة، لكن القلب، كما يحدث كثيرًا في الحياة، يقرر في النهاية أن يكتب السيناريو بطريقته الخاصة.
//انتهى//

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إيمان السلامي.. تونس والإمارات، علاقات راسخة تصون الذاكرة وتستشرف المستقبل

رسالة سفيرة الإمارات إيمان السلامي بمناسبة عيد الجلاء تحمل أكثر من تهنئة بروتوكولية؛ إنها …