‫الرئيسية‬ الشأن الدبلوماسي الربيعة.. حين تتحول الريادة الطبية إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود
الشأن الدبلوماسي - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الربيعة.. حين تتحول الريادة الطبية إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود

الفريق الطبي والجراحي السعودي في غرفة العمليات بعد فصل التوأم التنزاني لايتيينس ولوفنس

إنجاز جديد يضاف إلى سجل المملكة العربية السعودية المضيء في فصل التوائم الملتصقة، ويؤكد أن ما تصنعه الكفاءات الطبية السعودية ليس مجرد نجاح في غرف العمليات، بل قصة إنسانية عنوانها الأمل، وغايتها منح الحياة فرصة جديدة.

ليست كل الإنجازات الطبية مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات المستشفيات، وليست كل العمليات الجراحية أحداثًا تنتهي بإغلاق أبواب غرف العمليات. فهناك إنجازات تتجاوز حدود الطب، لتصبح رسائل إنسانية تختصر معنى العطاء، وتجسد قدرة العلم حين يقترن بالإرادة والإخلاص. وهذا بالضبط ما تمثله النجاحات المتواصلة للبرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، الذي بات اسمه علامة فارقة في سجل العمل الطبي والإنساني على المستوى الدولي.

واليوم، يضاف إنجاز جديد ومشرق إلى هذه المسيرة، مع نجاح الفريق الطبي والجراحي السعودي في فصل التوأم الملتصق التنزاني «لايتيينس ولوفنس»، في عملية دقيقة استغرقت 14 ساعة ونصف الساعة، ونُفذت عبر تسع مراحل، بمشاركة 44 من الاستشاريين والأخصائيين والكوادر التمريضية والفنية. إنها عملية لا يمكن اختزالها في ساعاتها الطويلة أو تفاصيلها الجراحية المعقدة، بل تستحق أن تُقرأ باعتبارها انتصارًا للعلم، وللإنسان، وللإرادة التي لا تعرف المستحيل.

والدة التوأم تعبّر عن امتنانها بجانب الدكتور عبدالله الربيعة بعد العملية
لحظة امتنان بعد نجاح عملية فصل التوأم التنزاني. الصورة: واس

فالتوأم، البالغتان من العمر عامين وشهرين، كانتا تواجهان حالة شديدة التعقيد، إذ كان الالتصاق في منطقة الحوض والوركين، مع اشتراكهما في أجزاء من الأمعاء والعمود الفقري والفقرات القطنية والحبل الشوكي. وأمام هذه التحديات الطبية الدقيقة، أثبت الفريق السعودي مرة أخرى أن التخصص والخبرة والعمل الجماعي قادرة على تحويل أصعب الحالات إلى قصص أمل.

واللافت في هذا الإنجاز أنه لا يمثل نجاحًا منفردًا أو حالة استثنائية في مسيرة عابرة، بل يأتي امتدادًا لمدرسة طبية وإنسانية راسخة، تقف خلفها خبرات تراكمت على مدى أكثر من 35 عامًا، حتى بلغت عمليات البرنامج 75 عملية فصل، بعد دراسة 160 حالة من 29 دولة حول العالم. وهي أرقام لا تتحدث عن حجم العمل فحسب، بل عن الثقة الدولية التي اكتسبتها المملكة، وعن المكانة التي وصلت إليها كفاءاتها الطبية في واحد من أدق فروع الجراحة وأكثرها تعقيدًا.

الربيعة.. اسم ارتبط بالإنجاز ورسالة الإنسانية

وعندما نتحدث عن هذا الصرح الطبي العظيم، لا يمكن أن نغفل الدور المحوري الذي يضطلع به الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة، ذلك الطبيب الذي تجاوزت رسالته حدود المهنة، وأصبحت تجربته نموذجًا لما يمكن أن يحققه الإنسان حين يضع علمه وخبرته في خدمة الآخرين.

فالربيعة ليس مجرد قائد لفريق طبي ينجز عمليات بالغة التعقيد، بل هو أحد الوجوه التي ارتبطت بمسيرة البرنامج منذ بداياته، وشاهد على تحول فكرة إنسانية نبيلة إلى تجربة طبية عالمية تستقطب الحالات من مختلف القارات. لقد نجح، مع زملائه من الكفاءات السعودية، في ترسيخ مدرسة طبية قائمة على الدقة والتخصص والعمل الجماعي، وعلى إيمان عميق بأن حق الإنسان في العلاج لا تحدّه جنسية أو لغة أو جغرافيا.

الدكتور عبدالله الربيعة وسط الفريق الطبي السعودي
الدكتور عبدالله الربيعة مع الفريق الطبي والجراحي. الصورة: واس

ومن أجمل ما يميز هذه التجربة أن المملكة لم تجعل من نجاحاتها الطبية إنجازًا داخليًا تحتفي به وحدها، بل جعلت منها جسورًا ممتدة نحو العالم، تستقبل من يحتاج إلى العلاج، وتساند الدول الشقيقة والصديقة، وتنقل الخبرات، وتفتح أبواب الأمل أمام أطفال وأسر أنهكها الانتظار والخوف.

وهنا تتجلى عظمة التجربة السعودية؛ فالقيمة الحقيقية للإنجاز لا تكمن فقط في إجراء عملية جراحية ناجحة، وإنما في الأثر الذي تتركه تلك العملية في حياة أسرة بأكملها، وفي مستقبل طفل كان ينتظر فرصة للحياة بصورة أفضل. إن فصل التوائم الملتصقة ليس مجرد إعادة تشكيل جسدي، بل هو في كثير من الأحيان بداية حكايتين مستقلتين، ومستقبلين كانا ينتظران لحظة الأمل.

من الرياض إلى تونس.. الإنسانية التي لا تعرف الحدود

ولعل من الشواهد القريبة التي تستحق التوقف عندها، زيارة الدكتور عبدالله الربيعة إلى الجمهورية التونسية في أبريل 2025، وهي زيارة حملت في مضامينها أكثر من رسالة، وأكدت أن الحضور السعودي في المجال الطبي والإنساني لا يتوقف عند حدود المبادرات الإغاثية التقليدية، بل يمتد إلى مشاريع صحية نوعية تلامس احتياجات الإنسان مباشرة.

فخلال تلك الزيارة، أشرف مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية على إطلاق برنامج «سمع السعودية التطوعي» لزراعة القوقعة والتأهيل السمعي، الذي استهدف تمكين 50 طفلًا تونسيًا من الاستفادة من زراعة القوقعة، إلى جانب تدريب وتأهيل أسر الأطفال المستفيدين. وقد بدأت الفرق الطبية السعودية تنفيذ العمليات في تونس يوم 22 أبريل 2025، في مبادرة تعكس عمق التعاون بين البلدين الشقيقين.

وليس من السهل أن ندرك حجم الأثر الذي تحمله مثل هذه المبادرة ما لم نتخيل مشهد طفل يسمع صوت أمه للمرة الأولى، أو يكتشف أصوات الحياة من حوله بعد سنوات من الصمت. إنها لحظة تتجاوز الطب والتقنية، لتلامس أعمق المشاعر الإنسانية؛ لحظة لا تقاس بالأرقام، وإنما بما تمنحه من فرح لعائلة، وبما تفتحه من آفاق جديدة أمام طفل.

ولم تقتصر الزيارة على هذا البرنامج، بل شملت أيضًا مبادرات لدعم المنظومة الصحية التونسية، من بينها تقديم عشرة أجهزة حديثة لتصفية الدم، وتدشين محطة لإنتاج الأكسجين الطبي في المستشفى الجامعي الطاهر صفر بمدينة المهدية، بطاقة إنتاجية تبلغ 80 مترًا مكعبًا في الساعة، بما يعزز قدرات المؤسسة الصحية على الاستجابة لاحتياجات المرضى.

وقد حملت زيارة الربيعة إلى تونس دلالة تتجاوز تفاصيل الاتفاقيات والمشاريع؛ فهي تعكس صورة المملكة التي تمد يد العون، وتؤمن بأن الاستثمار في صحة الإنسان هو استثمار في الحياة ذاتها، وأن التعاون الطبي بين الدول الشقيقة ليس مجرد تبادل للخبرات، بل شراكة في صناعة الأمل.

لا تفصل المملكة التوائم الملتصقة فحسب، بل تفصل اليأس عن الأمل، وتصل العلم بالرحمة.

إنجازات تصنع التاريخ.. ورسالة تستمر

إن نجاح فصل التوأم التنزاني «لايتيينس ولوفنس» يعيد إلى الأذهان حقيقة تستحق أن نتوقف عندها: خلف كل رقم في سجل البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة حكاية إنسانية، وخلف كل عملية ناجحة عائلة استعادت ابتسامتها، وخلف كل إنجاز فريق آمن بأن المستحيل قد يصبح ممكنًا متى توافرت الإرادة والعلم والإخلاص.

كما أن وصول البرنامج إلى عمليته الخامسة والسبعين، وامتداد خدماته إلى عشرات الدول، يمثلان شهادة على استدامة مشروع طبي وإنساني لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة رؤية ودعم وقيادة وكفاءات وطنية راكمت خبراتها عبر عقود.

إننا أمام تجربة تستحق الإشادة والتوثيق والاحتفاء، لا من باب المجاملة، بل اعترافًا بما تقدمه من قيمة حقيقية للبشرية. فالمملكة العربية السعودية، عبر هذا البرنامج ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تقدم للعالم نموذجًا مشرفًا لدولة جعلت من العلم وسيلة للعطاء، ومن الطب رسالة للرحمة، ومن الإنسان محورًا لكل إنجاز.

وفي تقديري، فإن أعظم ما يمكن أن يقال في حق هذه المسيرة أن نجاحها لا يُقاس بعدد العمليات التي أُجريت فحسب، وإنما بعدد الأحلام التي أُعيدت إلى أصحابها، والابتسامات التي عادت إلى وجوه الأمهات والآباء، والقلوب التي امتلأت بالامتنان بعد أن كانت مثقلة بالخوف.

تحية تقدير للدكتور عبدالله الربيعة، وللفريق الطبي والجراحي، ولكل الكفاءات السعودية التي تكتب بعملها فصولًا مضيئة في سجل الإنسانية. وتحية للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، على هذا العطاء الذي لا يعرف الحدود.

فمن الرياض التي شهدت ميلاد إنجازات طبية استثنائية، إلى تونس التي احتضنت مبادرات أعادت الأمل إلى أطفالها، وصولًا إلى تنزانيا التي تستقبل اليوم فصلًا جديدًا من الفرح في حياة لايتيينس ولوفنس، تتواصل الحكاية السعودية الجميلة؛ حكاية وطن لا يكتفي بصناعة الإنجاز، بل يحرص على أن يصل أثره إلى الإنسان أينما كان.

وهكذا، لا تفصل المملكة التوائم الملتصقة فحسب، بل تفصل اليأس عن الأمل، وتصل العلم بالرحمة، وتجعل من نجاح أبنائها رسالة إنسانية يراها العالم ويلمس أثرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الإمارات وصناعة مستقبل الطاقة النظيفة: رؤية طموحة لتحقيق الاستدامة

المقتطف: كيف استطاعت الإمارات أن تقدّم تجربة مميزة في التحول نحو الطاقة النظيفة؟ قراءة في …