سعاد الصباح في ديوانها «والورود… تعرف الغضب»: امرأة من نار وتراب وماء
اقتحمنا خصوصية لوحاتها التشكيلية لنكتشف المرأة الناضجة شعرا ورسما
سعاد الصباح في ديوانها الأخير " والورود… تعرف الغضب" امرأة من نار وتراب وماء
◆ حاولت أن تختزل ما يجول في فكرها خوفا من الواقع العربي الموجع
◆ لم تبتعد عن أنوثتها ولم تجاف الرجل بل حملت له وردة حمراء وصفعه من قلبها
◆ وطنها الكبير يتفتت والحب في علبة السردين والمسؤول غائب عن الوعي
◆ زرعت موقفا بعيدا عن زوبعة خاوية في وجه القبيلة والرجل والزمن
◆ اكتشفت أن تاريخ العرب يشبه عربة مات سائقها والذاكرة مثقوبة من فراغ وجودنا!!
◆ لم تعد الشاعرة قادرة على الحب والنسيان وأنوثتها في إجازة طويلة!!
◆ في لوحاتها قصائد من همس الجمال بصوت ناعم يشبه الغناء
بقلم: جهاد أيوب
لا يستطيع المتابع الانفلات من صور جارفة، ونفحات منغمسة بالشعر حينما يقرأ كتاب أو ديوان الشيخة سعاد الصباح الأخير " والورود…تعرف الغضب "، ومهما تعالينا أو تعالى بعضهم على الشعر في زمن خفوت الصوت، وارتفاع حضور الصورة لن يفلت من هذا الوجدان والبوح والصدى.
" والورود…تعرف الغضب " عودة موفقة للشاعرة بعد صمت دام أكثر من خمس سنوات عن كتابة الشعر، ربما احتجاجاً على الواقع العربي التعيس، تركته راحلة إلى الرسم لتعيد اكتشاف الطفولة، وبياض الثلج، وصفاء السماء… ولكنها عادت واكتشفت أنها لا تستطيع الهروب من الشعر، ذاك السيف الناعم والحاد، ذاك الثوب الشفاف والحاجب، ذاك الجبل والسهل معاً…
الاقتحام
اقتحمنا منزلها بمحبة والتقطنا بعض ما رسمته بعيدا عن الشعر، لا بل أخبرتنا أننا أول من يسمح له بالتقاط صور للوحاتها… لوحاتها المسالمة جدا، والأنثوية جدا جدا، والعاشقة حتى الثمالة الصادقة، وسماحها لنا بنشرها يعني ثقتها التي نقدرها، وها نحن ننشرها مع قراءة حول ديوانها الأخير!



من لوحات الشيخة سعاد الصباح، تُنشر لأول مرة
عادت سعاد الصباح إلى قصيدتها من اللوحة، عادت إلى حمل راية متعبة زرعت فيها شجرة خضراء من حولها الوجع والألم والفرح، والمسؤولية، عادت إلى رحمها، فكانت أن حركت مشاعر الزهور كي تثور من جديد، كي تعمر ما تهدم، كي تسأل ببساطة عن الأمل المقبل، عن الحدث، عن القبيلة والزوج والحبيب، عن طفل لا يعرف المرسى!!
ديوانها… والصمت الجارح
سعاد الصباح في " والورود… تعرف الغضب " سنابل من الصبر أرادتها أن تنبت في غير موسمها مع أن اليوم هو موسم الصوت المرتفع لكثرة الهزائم، أي أن هذه السنابل والورود جاءت في مكانها، في زمن القحط لتغرس أمامنا بعض الأمل، جاءت من خلف جدار الرحم، من عقول تغسل يومياً بالشك والطعن، بل أرادت أن يتغير هذا الواقع…
منذ زمن لم نعرف التغيير ولكننا تعرفنا على الكلام، هنا سعاد وفي هذه المجموعة أرادت الصمت الجارح لا الكلام لمجرد الكلام، وأرادت إلغاء الجدار لا إحداث الشغب لمجرد أنها موجودة، أرادت الصوت المرتفع والمباشر لا الصوت الخاوي!!
أنا امرأة من فضاء بعيد
ونجم بعيد
فلا بالوعود ألين …
ولا بالوعيد …
هكذا تفتتح الديوان معلنة بيان رقم واحد في اكتشاف ذاتها، معلنة أنها امرأة من فضاء يختلف عن ما هو واقعي، عن فضاء الرجال والسماسرة والمرآة اللعوب، إنها باحثة عن امرأة صافية ذكية وتدرك ما وراء الكلام، ولن تقبل في أن تظل خلف الانتظار، يلجمونها "بالوعود " ولا حقائق لهكذا وعود.
وتابعت بالقول:
بدوية أنا أختزن في ذاكرتي …
عصوراً من القهر…
ويختبئ تحت جلدي ملايين الشموس.
في هذا الاعتراف ثورة نابعة من الذات إلى القبيلة، والمجتمع، و الرجل وحتى الطفل المقبل، ليعرف كم توجعت المرأة الإنسان في ديار تدعي إعطاء حقوق للإنسان، وقفت بثقة واعترفت أن في ذاكرتها الكثير من القهر رغم أن الشمس تنير تحت جلدها… إنها الظلمة المتعمدة، إنها الحقيقة الخارجة من رحم القهر…
ومن الواضح هنا أن سعاد لم تعد تعشق كثرة الكلام عن هكذا موضوع كما يفعل الشعراء، بل رمت الكرة في ملعب الناس، وطلبت منهم أن يتنوروا بما زرعوا لربما اختزال الحقائق بوقائع مباشرة وهادفة يعيد الاتزان إلى العقل والتصرف، مؤكدة أنها:
أنا النخلة العربية الأصول
والمرأة الرافضة لأنصاف الحلول
فبارك ثورتي…
في هذه القصائد الثلاث المختصرة تجاوزت سعاد كل الحدود التي زرعها الرجل، وبصمتها القبيلة، وحددت من هي، وماذا تقصد بذاتها، ومن هي في قبيلتها ومجتمعها، ومن هو الرافض لأنصاف الحلول، ومن يبارك هكذا حلول!!…
سعاد سجلت موقفاً ومشت إلى أعمق من حدث من مجرد زوبعة في فنجان، وقالت وباحت وأرسلت الصوت المسؤول إلى من لديه سمع ومشت، ولم تنتظر منا التصفيق، بل العمل أو التنبه إلى أين المصير!!
الرجل
ومع كل ما زرعه الرجل الشرقي من آلام وأوجاع في خاصرة المرأة العربية لم تكن سعاد جاحدة بل اعترفت بمآثر الزوج، والصديق، والمعلم، وحبيب العمر الجميل، ودون خجل أو عقدة نسائية في الاعتراف بالآخر، أشارت:
أعرف رجلاً أسطورياً
يخرج من معطفه القمح..
وتخضر الأعشاب
يقرأ ما بين الأهداب
ويقرأ ما تحت الأهداب …
ويسمع موسيقى العينين…
أمشي معه ، فوق الثلج ، وفوق النار
أمشي معه
رغم جنون الريح وقهقهة الإعصار
أعرف رجلاً
أيقظ في أعماقي الأنثى
حين لجأ ت إليه…
وشجر في قلبي الصحراء…
و كانت أكثر وضوحاً في " تحت المطر الرمادي"، مترجمة ذاتها بثقة كبيرة:
على هذه الكرة الأرضية المهتزة
أنت نقطة ارتكازي
وتحت هذا المطر الكبريتي الأسود
وفي هذه المدن التي لا تقرأ.. ولا تكتب
أنت ثقافتي…
الوطن الكبير
وفي هذه القصيدة تذهب إلى أبعد من مجرد بوح امرأة إلى رجل و زوج، بل يصبح الوطن والناس، لكنها لا تبرح مكانها وواقعيتها، فتقول:
الوطن يتفتت تحت أقدامي
كزجاج مكسور
والتاريخ عربة مات سائقها
وذاكرتي ملأى بعشرات الثقوب…
أنوثتها
ولا تخجل في أن تقول عن أنوثتها:
لم أعد قادرة على الحب…ولا على الكراهية
ولا على الصمت أو على الصراخ
ولا على النسيان أو على التذكر
لم أعد قادرة على ممارسة أنوثتي…
فأشواقي ذهبت في إجازة طويلة
وقلبي … علبة سردين
انتهت مدة استعمالها…
◆◆◆
كلمة أخيرة
بكل صدق ديوان الشاعرة سعاد الجديد يختلف عن سائر ما كتبته سابقا، هو النضج في الفكر، والنضج في استخدام حضورها كشاعرة متمرسة تعرف الشرب من نهر الشعر بثقة، اليوم سعاد شاعرة بامتياز مدركة لكل ما يحدث من حولها، مبررة ابتعادها ذات يوم يعود إلى صدمة كبيرة من الحال، هي اليوم ثائرة على كل شيء دون أن تنزف دما، بل تقدم الصورة المصحوبة بالصوت القوي والمرتفع والمسؤول… سعاد اليوم أكثر خوفا على المستقبل لذلك أرادت أن تغرف من الشعر ما تشعر تفكر تبوح به!
لم يكن للخوف الجبان عند الشاعرة حضوره، بل الخوف علينا هو الأصل، ولم تعد سعاد في هذه المجموعة مجرد امرأة للعشق أو الغزل، أنها ثائرة على الذات ومن ثم على الكل، أي التجربة كبيرة لم تأت من فراغ، وهذه التجربة هي المغزى والثقة كي تصفعنا وتقول لنا" انتبهوا" أنتم في واد والفكر والإنسان في واد أخر!!
ديوان" والورود… تعرف الغضب" يستحق القراءة والوقوف عنده كي نرسم معالم الصوت، و الوجود، و الفكر، والقضية لربما ننهض من جديد ونلملم ذواتنا!!
ولوحاتها ناعمة تشبه سيرتها وحديثها ورقة تعاملها مع الأخر مهما اختلفت معه، لوحاتها قصائد من همس الجمال بصوت ناعم يشبه الغناء، ننشرها لأول مرة في صحيفة عربية!!
عن تجربتها تقول:
"الشعر روح الحياة، الماء والدم وكبرياء الإنسان، ولن أتخل عنه، والتشكيل صوت فيه الشعر متربعاً، وأنا أرسم كأنني أكتب الشعر، إنه حالة توافقية في التعبير، وسأحاول أن أزاوج بين الشعر والرسم ما دمت أنا الكاتبة والفاعلة والقلقة والمحبة، والإنسان هو مشروعي، وفتح سجون النساء والبحث عن الحرية والكرامة هويتي".
◆◆◆
بطاقة شخصية
- ◆سعاد محمد صباح المحمد الصباح.
- ◆من مواليد ٢٢ – ٥ -1945
- ◆أم لأربعة أبناء وهم محمد ومبارك وأمينة والشيماء
- ◆حاصلة على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة.
- ◆حاصلة على ماجستير ودكتوراه من جامعة ساري بالمملكة المتحدة.
- ◆باحثة اقتصادية في جامعة ساري في المملكة المتحدة.
- ◆لها في المكتبات العربية العديد من الكتب في الاقتصاد والشعر وكتبها الاقتصادية تحدثت فيها عن الكويت و التركيبة السكانية، وعن المرأة الكويتية والتنمية، والاوبك، ومن دواوينها الشعرية وكتبها الأدبية «من عمري» في العام ١٩٦٤ في بيروت، و«أمنية» في العام ١٩٧١ في القاهرة، و«إليك يا ولدي» في العام ١٩٨٢ في القاهرة و«فتافيت امرأة» و«في البدء كانت الأنثى» و«حوار البنادق» و«هل تسمحون لي أن أحب وطني».
- ◆عضو مؤسس وعضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
- ◆عضو مؤسس وعضو مجلس أمناء المجلس العربي للطفولة.
- ◆عضو مؤسس وبارز بمنتدى الفكر العربي.
- ◆عضو مؤسس في منظمة النساء المسلمات لجنوب وغرب آسيا.
- ◆عضو مؤسس وعضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للثقافة.
- ◆اختارتها ملكة الدانمرك عن منطقة الشرق الأوسط كعضو في المنظمات الدولية.
مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.. قصة نجاح تتجدد منذ 50 عامًا
خمسون عامًا مضت منذ أن أطلق كمال الملاخ حلمه، ليصبح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي قصة نج…












