‫الرئيسية‬ عبق الياسمين لا عزاء للضائعين| بقلم : أحمد علام
عبق الياسمين - همسات - 7 فبراير، 2020

لا عزاء للضائعين| بقلم : أحمد علام

فى الطريق إلى كل ما هو مقصود  ، تتعثر عيناك فى الكثير من الناس على إختلاف ألوانهم ، وأشكالهم ، وأجناسهم ، وملبسهم ، وخطوات حركاتهم ، وماتحملهم أعينهم من معانى ، وإيحاءات فمنهم من يتجه يميناً أو يساراً ، أو إلى الأمام ، أو يقف فى مكانه ، أو يتحرك فى مكانه ، وتشرق الشمس عليهم جميعا ، ويخبو الضوء عنهم فى نفس الوقت ، ويتنفسون نفس الهواء ، ويسيرون على نفس الأرض .

– توقفت عيناي علي أحدهم وجدته حزينا ، وألتفت حوله كل سحب الضيق والكآبة ، وكأنه يصارع أمواج من الألم ، تأتيه من كل جانب ، فلا هو قادر على مواجهتها ، والخروج منها بأقل الخسائر ، أو تقضى عليه فينتهى فى لحظتها ، ولكنه يظل يعانى الصدمات الواحدة تلو الأخرى ، ويتجرع آلام قلة الحيلة ، ويقينه أنه لاناقه له ولا جمل فى هذه الحياة البائسة ، فهو لايكاد يرى أى نور فى هذه الحياة الكئيبة من كل جوانبها ، حتى أنتحر الأمل بين زوايا اليأس التى لا تشرق فيه شمس .

– قفزت عيناى إلى إمرأة تبكى بحرارة شديدة ، وهى تقرأ رسالة من حبيبها ليترك لها آخر ما تبقى من الذكرى بينهم، ليسدل الستارعلى تلك المشاعر التى غردت حولها الطيور ، و أنطلقت النسمات العطرة من كل جوانب الحياة ، وأبتسم كل شىْ إبتهاجاً، وفرحاً باللحظة التى تمر ، وهى ترفرف حول قلبها المشغوف بهذا الحب الوليد بين الثنايا ، وفجأه تُصعق برسالة تبكى منها أمواجاً من الدموع ، وضاع منها كل شىء بل الحياة كلها فانطفأت رغبتها فى التنفس ، والحركة حتى ماتت الحياة داخلها ، وأصبحت بلا مشاعر من أى نوع ، ونامت عيناها.

– أنجذبت عيناى إلى شارد يتحرك فى كل الإتجاهات،  وهنأتنفسى لعلى أجد فيه ضالتى التى أبحث عنها ، فوجدته شعلة لا تكاد تشتعل حتى تنطفىء يتحمس لفكرة بشدة ، ويتحرك نحوها ثم يتعثر،  فيعود كما كان ثم تجذبه فكرة أخرى ، ويخطط لها بسرعة ، ويعدل عنها بنفس السرعة ، وتتكرر مشاهد حياته كلها بذلك النمط ، وهو يتحرك فى نفس مكانه ، ولا يدرك أنه لا يتحرك أصلاً ، بل هو لم يتخلى عن مكانه من عشرات السنين،  معتقداً أنه يتقدم لأنه ببساطة لم يُكمل طريق واحد فتبعثرت طاقته فى كل جنبات الحياة حتى أصبح لاشىء يُذكر .

– هربت عيناى من رأسى،  إلى من يحقق ما أحوم حوله فوجدته يتحرك ، ويعلم إلى أين يتجه ، ومن أين تُؤكل الكتف ، حيث يلملم كل جراحه ، ويقذف بها خلفه ، ولكنه ترك أيضاً كل القيم والمبادىء ، بل ويعرضها للبيع لمن يدفع أكثر،  فالغاية عنده تبرر الوسيلة ولاحاجة له أن يحتفظ بأى مبدأ،  ولكنه الغاية الكبرى هى تحقيق المكاسب المادية ، وبالتالى يفطن دائماً إلى ما يترجم عمله إلى مال،  مهما كانت التضحية فكل المشاعر عنده رمى بها فى سلة المهملات .

– أستراحت عيناى ،  إلى عابد لا يقضى وقت إلا وهو يقيم عبادة لله شعائرية تاركاً وراءه كل أمور الدنيا ،  ومتاهاتها والتحديات القابعة فى أول كل طريق لها ، فهو لا يريد أن يفعل أى شىء بالدنيا التى يزهد فيها تماماً ، سوى لقيمات تأتيه من هنا أو هناك يقمن به عوده ، فيستمرء سؤال الناس بدلاً من العمل ، معتقداً أن الدين يدعوه إلى الآخرة فقط،  فيقف مكتوفى الأيدى مشلول الحركة تماماً ، عن أى تقدم أو بالكاد أى عمل بالحياة فلا حاجه له بها ، ولا حاجة للدنيا له ، فهو لا يحيى إلا منتظراً لحظة الفراق ،  ليترك الدنيا لم يضف إليها شىء ولم تضيف هى له شيئاً .

– أغمضت عيناى ، فهى لا تريد أن ترى شيئاً ، ولكن هبت على قلبى علامة إستفهام كبيرة ، لماذا تضيع الناس فى هذه الحياة الصعبة ، لاشك أنه العقل الذى لا يعمل رغم وجوده ، و لكنه يهمل من جانب صاحبه ، حيث أنه فى أحسن الأحوال يقلد غيره فى كل شىء ، رغم أن ورقة الأسئلة تختلف من إنسان لآخر، وبالتالى إستنساخ نفس الإجابات ستكون مدمرة ، وغير مثمرة فى حقه،  فلكل إنسان ظروفه وبيئته وثقافته التى لا تتكرر مع غيره إلا فى القليل .

– نامت عيناى ، لترى نفسى التى لا يشبهها أحد فى الوجود بخصائص ذاتية غير متكررة،  وبصمة خاصة لها فى كل شىء ، وتصالحت معها وعاهدت نفسى أن ألا أرى أحداً بعد اليوم،  ليكون نموذجاً لى بالحياة بل أعيش أيامى وأحداثى وظروفى ، أنا بلا أى تأثير أو تأثربحياة غيرى بتجاربه المختلفة ، فالكل فى بوتقة واحدة ، ولكن كل منا عالم وحده مترامى الأطراف ، والعمر لا يتسع للتعرف على عالمك كله، و هو أنت  فما بالك أن تدخل عوالم الأخرين بكل ما فيها من تعقيدات ، وغموض حتى ينتهى وقتك المحدد ، فلا أنت فهمت عالمك الخاص،  ونصبت نفسك ملكاً لهذا العالم ، ولا أنت سيطرت على عوالم الأخرين،  أو حتى فهمتها في أحسن الأحوال .

– بكت عيناى ، من السعادة الغامرة التى إنتشرت فى جنبات نفسى لدخولى عالمى الخاص،  الذى أمتلكه وحدى ولا يشاركنى فيه أحد ، كى أقوم بتقسيمه وحدى وأزينه وحدى بما أريد ، وأضع له الأساس الذى أستشعر الراحه فيه وحدى، فهو عالمى البكر البعيد عن كل العوالم الأخرى الضائعة ، وبدأت تأسيسه بالإجابة بدقة ووضوح ، عن عشرة أسئلة يكتمل بها عالمى الخاص ، ويقوي بنيانه لأنقذه من متاهات الضائعين وأغمضت عيناى ولاعزاء للضائعين ولاعزاء للضائعين ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − تسعة =

‫شاهد أيضًا‬

عندما كنا صِغار..!/ بقلم : الكاتبة أمل

ونحنُ صِغار.. كنا نجلس نراقب التلفاز .. ومتى ينتهي موجزالأخبار.. متمللين، منزعجين متثائبين…