‫الرئيسية‬ نسمات الحرية الحوار عند غسان كنفاني: الرؤية والتشكيل دراسة أسلوبية-صوتية: بقلمي ربا رباعي/ الاردن
نسمات الحرية - نقد و دراسات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الحوار عند غسان كنفاني: الرؤية والتشكيل دراسة أسلوبية-صوتية: بقلمي ربا رباعي/ الاردن

مقدمة
لا يحتلّ الحوار في أعمال غسان كنفاني موقعًا تقنيًا هامشيًا، بل يشكّل أحد الأعمدة الجمالية والفكرية التي يقوم عليها بناؤه السردي. فالحوار عنده ليس تبادلًا كلاميًا بين شخصيات، بل هو فضاء صراعي تتقاطع فيه الأصوات، وتتكشّف عبره الرؤية الأيديولوجية، ويتجسّد من خلاله وعي المأساة الفلسطينية. ومن هنا تأتي أهمية مقاربة الحوار عند كنفاني من زاوية أسلوبية-صوتية، تكشف كيف يتحوّل الصوت إلى حامل للمعنى، وكيف يصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال القول.
أولًا: الحوار بوصفه كشفًا للرؤية الفكرية
ينطلق كنفاني من وعيٍ حادّ بأن المأساة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في خطاب مباشر أو شعاراتي، لذلك يُحمِّل الحوار وظيفة كشفية؛ إذ تتسرّب الرؤية عبر التوتر بين ما يُقال وما يُسكَت عنه.
في رواية «رجال في الشمس»، لا يأتي الحوار بين الشخصيات (أبو قيس، أسعد، مروان) ليقدّم حلولًا، بل ليعرّي حالة العجز والانتظار. يقول أبو قيس في لحظة استسلام:
«لماذا لم نطرق جدران الخزان؟»
هذه الجملة، رغم بساطتها الحوارية، تتحوّل إلى صرخة وجودية تختصر الرؤية الكنفانية كاملة: فالمأساة ليست في الموت ذاته، بل في الصمت عنه. هنا يصبح الحوار محاكمة أخلاقية للإنسان المهزوم، وللواقع العربي الصامت في آن.
ثانيًا: البنية الصوتية للحوار وتعدّد الأصوات
يعتمد كنفاني على ما يمكن تسميته بـ التعدد الصوتي غير المتكافئ؛ فالأصوات في نصوصه لا تتجاور بسلام، بل تتصادم. وغالبًا ما يكون صوت الراوي محايدًا ظاهريًا، لكنه يسمح للأصوات المتعارضة أن تفضح ذاتها بذاتها.
في «عائد إلى حيفا»، يتجلّى هذا بوضوح في الحوار بين سعيد وصفية من جهة، وميريام من جهة أخرى. تقول ميريام:
«لقد ربّيناه كما يُربّى أي طفل… نحن لم نسرقه.»
هذا الحوار لا يُحسم لصالح طرف، بل يضع القارئ في قلب مفارقة أخلاقية مؤلمة، حيث يتجاور حقّ الدم وحقّ التربية. هنا، تتجلّى عبقرية كنفاني في ترك الصوت يعمل ضد نفسه، دون تدخل خطابي مباشر.
ثالثًا: الاقتصاد اللغوي وكثافة الدلالة
يميل الحوار الكنفاني إلى الاقتصاد اللغوي، حيث تُحمَّل الجملة القصيرة بطاقة دلالية عالية. فلا إسهاب، ولا زخرفة، بل لغة حادّة تشبه الطلقات.
في قصة «أرض البرتقال الحزين»، نقرأ حوارًا مقتضبًا بين الأب والطفل، يكاد يكون أقرب إلى الهمس، لكنه يختزن مأساة الفقد كاملة:
«لماذا تبكي؟
— لأن البرتقال بقي هناك.»
هذا الحوار البسيط يتحوّل إلى رمز صوتي للفقد الجماعي؛ فالبرتقال هنا ليس ثمرة، بل وطن، والحوار ليس كلامًا، بل مرثية مكتومة.
رابعًا: الصمت بوصفه حوارًا مضادًا
من الخصائص الصوتية اللافتة عند كنفاني أنّه يمنح الصمت قيمة حوارية. فالشخصيات كثيرًا ما تعجز عن الكلام، أو تكتفي بالإيماءة، أو تنهي الحوار قبل اكتماله. وهذا الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء دلالي.
في «ما تبقّى لكم»، يتجاور الحوار الخارجي مع المونولوج الداخلي، حيث يتحوّل الصوت إلى صراع نفسي، ويغدو الصمت علامة على الانكسار أو التحوّل. فالشخصية لا تصمت لأنها لا تملك ما تقول، بل لأنها تقول أكثر مما تحتمل اللغة.
خامسًا: الحوار والبعد الرمزي
لا يخلو الحوار عند كنفاني من بعد رمزي يتجاوز اللحظة السردية. فالكلمات تُقال وهي محمّلة بتاريخ من القهر والهزيمة. ولذلك كثيرًا ما يبدو الحوار كأنه محاكاة رمزية لحوار أكبر: بين الفلسطيني والعالم، بين الضحية والجلاد، بين الماضي والمستقبل.
خاتمة
يمكن القول إن الحوار عند غسان كنفاني يشكّل بنية جمالية وفكرية متكاملة، تتجاوز وظيفته التقليدية، ليغدو أداة كشف، ومجال صراع، وحاملًا للرؤية الثورية. ومن خلال مقاربة أسلوبية-صوتية، يتبيّن أن كنفاني لا يكتب الحوار ليُسمَع فقط، بل ليُحاكَم، وليُفجِّر أسئلة لا تنتهي. وهكذا، يتحوّل الصوت في نصوصه إلى ضمير جماعي ناطق باسم المأساة الفلسطينية.
المصادر والمراجع
كنفاني، غسان. رجال في الشمس. دار العودة، بيروت.
كنفاني، غسان. عائد إلى حيفا. مؤسسة الأبحاث العربية.
كنفاني، غسان. أرض البرتقال الحزين. دار الآداب.
يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. المركز الثقافي العربي.
باختين، ميخائيل. خطاب الرواية (ترجمة محمد برادة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − أربعة =

‫شاهد أيضًا‬

الدوحة 2026 تحتضن المنتدى الليبي القطري التركي للتنمية والاستثمار الرقمي الذكي الدوحة –

برعاية الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني، تستعد العاصمة القطرية الدوحة لاحتضان المنتدى الليبي الق…