جائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للشباب العربي الدولية






أوتار على اليوتيوب




تقرير  بمناسبة اليوم الوطني الـ 85 للسعودية.. أبرز الإنجازات

22/11/2015 09:38
|

تحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني في الأول من الميزان الموافق 23 سبتمبر من كل عام، وذلك في ذكرى توحيدها وتأسيسها في 23 سبتمبر 1932م بقيادة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله.

التدرّج المنظم في بناء الدولة خلال عهد الملك عبدالعزيز

تعدّ التنظيمات الإدارية من الأمور المهمة التي أولاها الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - اهتمامًا كبيرًا, وحظيت فيما بعد بتحليلات الدارسين والمؤرخين, نظير نجاح تلك التنظيمات في إرساء قواعد الوطن وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين .

ويأتي من تلك الدراسات والتحليلات التي تناولت هذا الجانب, كتاب " تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز 1343- 1373هـ الموافق 1924-1953م دراسة تاريخية " لمؤلفه الباحث الدكتور إبراهيم بن عويض الثعلي العتيبي، الصادر عام 1414هـ.

ويقع الكتاب في (691) صفحة من القطع المتوسط, ويعطي صوره شاملة ومكتملة عن تنظيمات الدولة في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - خلال الفترة 1343هـ وحتى 1373هـ, وينقسم الكتاب إلى خمسة فصول, يتناول الفصل الأول منها قيام الدولة السعودية الثالثة, والأوضاع السياسية التي أسهمت في قيامها .

ويتناول الفصل الثاني من الكتاب, التنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز - وهو ما سيتم التركيز عليه في استعراض الكتاب -، ويختص الفصل الثالث بالتنظيم القضائي في عهد الملك عبدالعزيز، فيما قدّم الفصل الرابع عرضًا للتنظيم المالي وتطوره خلال تلك الفترة, واختص الفصل الخامس والأخير بتنظيم الدوائر العسكرية ونشأتها في عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - .

وفي مقدمة الكتاب, أشار المؤلف إلى أن هذه الدراسة تؤرخ تطوّر التنظيمات الإدارية في عهد الملك عبدالعزيز للفترة مابين عام 1319حتى 1373هـ, وهي الفترة التي شهدت قيام الدولة السعودية الثالثة سياسيًا, ووضع قواعد التنظيم الإداري فيها خلال فترة حكم الملك عبدالعزيز .

وتطرق المؤلف في الفصل الأول إلى مقدمة تاريخية مختصرة, حول الدولتين السعوديتين الأولى والثانية, متطرقًا إلى الأوضاع السياسية التي أسهمت في قيام الدولة السعودية الثالثة, وعلاقة مؤسسها الملك عبدالعزيز مع القوى الخارجية والداخلية, وكيف استثمر هذه العلاقات, مما مكنه من تأسيس المملكة العربية السعودية .

وتناول الفصل الثاني, التنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز, فبعد توحيد المملكة عام 1351هـ, توجّهت جهود الملك عبدالعزيز للعمل التنظيمي الذي أسس قواعده وأحكم تنظيمه .

ويشير المؤلف إلى أن هنالك رافدين أثّرا على إدارة الملك عبدالعزيز، وهما الروافد الداخلية والخارجية, فبداية عهد الملك عبدالعزيز تأثّرت ببعض التنظيم الإداري في الدولة الإسلامية عبر العصور, ومن هذا التنظيم تركيز السلطة في يد الحاكم مع منح أمراء الأقاليم بعض الصلاحيات التي تمكنهم من تطبيق الشريعة الإسلامية وحفظ الأمن ومساعده عمال الزكاة, مبينًا أنه عندما كانت الدولة في بداية تكوينها السياسي لقب الملك عبدالعزيز بـ " أمير نجد ورئيس عشائرها ", وعندما تمكن - رحمه الله - من استعادة الأحساء من العثمانيين عام 1331هـ /1912م, أطلقوا عليه لقب باشا وخاطبوه بـ " والي نجد وقائدها عبدالعزيز باشا " .

وبعد ضم عسير عام 1338هـ/1919م عقد في الرياض عام 1339/1920هـ مؤتمر عام, تقرّر فيه إطلاق لقب ( سلطان نجد وملحقاتها ), وعندما ضم الحجاز إلى نجد عام 1344هـ/ 1925م سمّي ( ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها ), ثم تحوّل هذا اللقب إلى ( ملك الحجاز ونجد وملحقاتها ), إلى أن وحّد المملكة عام 1351هـ/1932م باسم ( المملكة العربية السعودية ) .

وهذا التدرج في استخدام الألقاب الرسمية يصوّر إلى حد بعيد الظروف التي مرّت بها الإدارة في عهد الملك عبدالعزيز خير تصوير, إذ تدرجت من التجزئة الإقليمية إلى الوحدة المركزية المطلقة, فكلما اتسعت الدولة رافق ذلك تغيير في لقب الحاكم .

وتتمثّل الروافد الخارجية في الأنظمة العربية والأوربية التي وضعها الملك عبدالعزيز أمام مجالس الدولة الاستشارية, علاوة على وجود مستشارين من جنسيات متعددة في بلاطه, ولكنه - رحمه الله - أخضع أراء أولئك المستشارين والاقتباس من تلك النظم للتشريع الإسلامي ولمصلحة البلاد وحاجتها .

كما أن التنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز مر بمرحلتين متداخلتين, حيث تمثّل المرحلة الأولى : ما قبل استكمال ضم الحجاز, التي كانت الجهود فيها منصبّة على تأسيس الكيان السياسي للدولة, حيث خاض من أجله الملك عبدالعزيز نحو ( 41) معركة, قادها بنفسه وخرج فيها (14) مرة, فقد كان هدف الملك عبدالعزيز استكمال التكوين السياسي والمحافظة على الأمن .

فيما تتمثل المرحلة الثانية بما بعد ضم الحجاز, حيث ركزت الجهود على تثبيت دعائم الدولة, وبدء فيها التغيير الجذري في التكوين التنظيمي للإدارتين المركزية والمحلية, الذي بدء بالحجاز, حيث أن الإدارة في الحجاز كانت ذات تنظيمات مركزية متقدمة نوعًا ما .

وانقسمت الإدارة في الحجاز في العهد السعودي إلى مرحلتين, الأولى منها في الإدارة المؤقتة والمجالس الأهلية : فعندما آل حكم الحجاز إلى الملك عبدالعزيز, أبقى على بعض الأمور الإدارية منها, وطوّر البعض الآخر, ولهذا خطط - رحمه الله - لإعادة تنظيم أوضاع الحجاز ساعة دخول مكة المكرمة, وقد جاء في الخطاب الذي ألقاه الملك المؤسس في مكة المكرمة ساعة دخولها : ( سنجعل الأمر في هذا البلاد المقدسة بعد هذا شورى .. وإن مصدر التشريع والإحكام لا يكون إلا من كتاب الله, وما جاء عن رسوله, وما أقرّه علماء الإسلام ), ثم بدء بعد ذلك بالخطوات العملية الرائدة, حيث بدأت مشاركة أهل الحجاز في الإدارة, ووضع هياكل إدارية تتمشى مع التغييرات والتبدلات السياسية, ونظرًا لأهمية إدارة الحجاز, فقد عيّن ابنه فيصل نائبًا عنه فيها .

وتناولت المرحلة الثانية من الإدارة في الحجاز, الإدارة في ظل التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية, حيث قسمت التعليمات شؤون الإدارة إلى ستة أنواع, منها الأمور الشرعية وهي القضاء والمحاكم وشؤون الحرمين والأوقاف والمساجد والمؤسسات الدينية، والأمور الداخلية التي تشمل الأمن العام والبرق والبريد والصحة العامة والبلديات والإشغال والتجارة والزراعة والصناعة والمعادن والمؤسسات الخاصة ، والأمور المالية المتمثلة في إدارات الواردات والمنصرفات والجمارك والرقابة المالية, ولها فروع في المدن والقرى وتشرف عليها مديريات عامة, وهذه الأمور كلها مرتبطة بالنائب العام في الحجاز, إلّا أن المرجع الأعلى فيها هو الملك شخصيًا, فيما تمثّلت الأمور العسكرية بمجموع التشكيلات العسكرية المرتبطة بالملك مباشرة .

وقد نصّت التعليمات على إنشاء أربعة مجالس, هي مجلس الشورى والمجلس الإداري ومجالس النواحي ومجالس القرى والقبائل .

كما أمر الملك عبد العزيز بتشكيل لجنة التفتيش والإصلاح في غرة محرم 1346هـ, وكانت مهمتها المراجعة العامة للجهاز الإداري للدولة, وتحسس مواطن الخلل فيه والعمل على إصلاحه .

وتنفيذًا لسياسة الملك عبد العزيز الهادفة إلى إعادة تنظيم أجهزة الدولة الإدارية لبسط السلطة على جميع مناطق دولته مع مراعاة الفوارق الإقليمية المختلفة, أنشأ - رحمه الله -عدّة أجهزة تنفيذية وإدارية منها, النيابة العامة وهي المرجع العمومي لجميع دوائر الحكومة وأقسام إداراتها, ويظهر أمران في تحديد مهام النيابة العامة وهما استثناء الشؤون العسكرية من مهام النائب العام, وإشراف النائب العام على الشعبتين الإدارية والقنصلية .

وبقيت النيابة العامة على هذا التشكيل إلى أن صدر نظام مجلس الوكلاء عام 1350هـ الذي ألغى النيابة العامة .

ويأتي مجلس الوكلاء كواحدٍ من الأجهزة التنفيذية والإدارية, ويعدّ تطويرًا لفكرة المجلس التنفيذي الذي تشكّل عام 1345هـ, نتيجةً لاقتراح لجنة التفتيش والإصلاح, التي أوصت بتكوين مجلسٍ تنفيذي من رؤساء الدوائر الحكومية في الحجاز, لمساعدة النائب العام في مهامه التنفيذية, وكان يقوم ببعض الوظائف التشريعية ويتولى الوظائف التنفيذية معًا.

كما تشمل الأجهزة التنفيذية والإدارية مجلس الشورى, حيث كان الملك عبدالعزيز يرى أن الشورى أمرًا واجبًا في إدارته, فقد أمر بانتخاب أعضاء مجلس الشورى الذي كان تطويرًا لمجلسين هما المجلس الأهلي والمجلس الاستشاري, وتشكّل أول مجلس من أعضاء متفرغين عام 1346 هـ مقرّه مكة المكرمة, وبقى مجلس الشورى مهيمنًا على معظم أعمال الدولة التشريعية والتنظيمية وخاصة في الحجاز إلى أن تأسس مجلس الوزراء .

وبما يختص بمجلس الوزراء, فقد كان لزيادة عدد الوزارات من ثلاث وزارات عند إعلان توحيد المملكة إلى خمس وزارات, بالإضافة إلى المديرية العامة للحج والمديرية العامة للبترول والمعادن, الأثر الكبير في قيام جهاز مركزي يبسط نفوذه على جميع مقاطعات المملكة, فأنشى مجلس الوزراء في 1/2/1373 هـ وكان مقررًا أن يفتتح المجلس في 1/4/1373 هـ ولكن وفاة الملك عبدالعزيز بعد شهرين من صدور المرسوم, أخّر افتتاحه إلى 2/7/1373 هـ, وكانت تتلخص صلاحيات مجلس الوزراء في رسم سياسة المملكة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية, وإصدار الأنظمة المدنية والعسكرية وإقرار الاتفاقيات الدولية, كما نص المرسوم على وضع نظام للوزارات يحدد صلاحياتها وواجباتها وأصبح رئيس مجلس الوزراء يهيمن على جميع الوزارات والدوائر الحكومية, فلا تعقد امراً إلا بعد موافقته .

وفي مجال إدارة المقاطعات, كانت متطلبات الأمن من العوامل التي أثرت على التقسيم الإداري, كما أن ظروف البيئة وصعوبة المواصلات والتوزيع السكاني علاوة على المؤثرات الأخرى, زادت من إصرار الملك عبد العزيز على التقسيم الإداري, فأملت على الملك عبدالعزيز تقسيم المنطقة الشمالية من المملكة إلى مفتشية الحدود الغربية ومفتشية الحدود الشمالية .

وتتمثّل المقاطعات الرئيسية قبل انضمام الحجاز, في خمس مقاطعات هي نجد والقصيم والأحساء ومنطقة عسير وحائل ثم جيزان ونجران وحائل, وكان الملك عبدالعزيز يبعث بهيئات تفتيش إلى مختلف المناطق ويحرص على استعراض انجازات الدولة الإدارية مع النائب العام في نهاية كل عام, كما عيّن - رحمه الله - أمراء على المقاطعات بلغ عددهم (64) أميرًا, كلٌ منهم يتصرف في شؤون أمارته وفقًا لما يراه مناسبًا للعادات والعرف السائد, ما لم يرد فيه تعليمات من الملك, إلى أن صدر نظام الأمراء والمجالس الإدارية في 13/1/1359 هـ, الذي حدّد صلاحيات ومسؤوليات أمراء المقاطعات والمجالس الإدارية بصورة واضحة .

وأما المجالس الإدارية بالملحقات فقد كانت مهامها تتجسّد في الإشراف على الشؤون الرسمية والإصلاحية والعمرانية والبلدية والإدارية للمنطقة, وأسندت رئاسة المجلس الإداري إلى أمير المدينة, والصلاحيات التي منحها النظام للمجالس الإدارية بالملحقات تشبه إلى حدٍ بعيد صلاحيات مجلس الشورى ولا يستثنى من ذلك إلا التشريع .

وفيما يختص بالتنظيم القضائي, فإن الكيان الذي شيّده الملك عبدالعزيز, كان دينيّ المنشأ والتوجّه, وجعل للشريعة مكانة عظيمة ومميزة في تنظيمات الدولة, حيث يؤكد - رحمه الله - ذلك في مقولته ( دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد صلى الله عليه وسلم ), كما أن الملك عبدالعزيز كان يسعى إشاعة العدل كأساس للاستقرار في ربوع دولته ولحفظ كيانها.

كما عَمَدَ الملك عبدالعزيز - رحمه الله - لتوحيد مصادر الأحكام, حيث كان لتعدد المذاهب التي سارت عليه المحاكم في الحجاز, معوقات في الفصل في القضايا, علاوة على طول إجراءات المرافعات الشرعية التي تؤخر إصدار الحكم أحيانًا, وكان القضاة يصدرون أحكامهم وفقًا لأحد المذاهب الفقهية الأربعة .

وبعد أن استتب الأمر للملك عبد العزيز, سعى لتوحيد مصادر الأحكام في محاكم الحجاز, فأصدر عددًا من الأنظمة القضائية, وخير ما يصوّر مدى اهتمام الملك عبد العزيز بأمور القضاء, قوله ( فإذا أصلحنا المحاكم هانت الأمور واستقامت الأحوال ), ومن هذا المنطلق حرص الملك عبد العزيز على استقلال القضاء وإبعاده عن المتناقضات الإدارية التي تعارض غالبًا كل تنظيم جديد .

وفيما يختص بالتنظيم المالي, فقد كانت التنظيمات المالية التي أحدثها الملك عبدالعزيز تتطور جنبًا إلى جنب مع تطور التنظيمات الإدارية نظرًا للعلاقة الوطيدة بين التنظيمات الإدارية والمالية في كل الأحوال والمجالات, وفي 11/4/1351هـ صدر مرسوم ملكي بتأسيس وزارة للمالية في مكة المكرمة, وقد الحق بوزارة المالية على فترات مختلفة عدد من الدوائر الحكومية مثل مصلحة الجمارك والخزينة الخاصة ووكالة الدفاع ومصلحة المعادن والأشغال العمومية وإدارة الأبنية وتعبيد الطرق ومصلحة سجل العلامات الفارقة ومالية الأحساء .

ونظرًا للتطور الكبير الذي حدث في المملكة, فقد استقلّت بعض الدوائر, وأنشأت دوائر جديدة تابعة لوزارة المالية, وهي مصلحة الزكاة والدخل ومؤسسة النقد العربي السعودي .

وفي مجال تنظيم الموارد المالية, يشير المؤلف إلى أن تنظيم الموارد المالية يستوجب النظر في الميزانية من حيث تحديد مصادر الدخل ووجوه الإنفاق, وذلك لا يأتي إلا بضبط النقد, ومن هنا لا بد من مناقشة النقد وشؤونه ابتداءً, ثم الميزانية دخلاً, وصرفها انتهاءً .

وكان التعامل النقدي في المناطق التي تشكلّت منها المملكة يجري قبل توحيدها على تعدد العملات واختلافها باختلاف المناطق وتعددها, ففي المنطقة الشرقية استخدمت العملة الهندية وفي المنطقة الجنوبية استخدمت النقود العثمانية والانجليزية وفي نجد كثر تداول العملة النمساوية وغيرها من عثمانية وبريطانية وهندية, وفي الحجاز سادت العملة العثمانية والهاشمية في التعامل هذا, إلى جانب ما يجلبه الحجاج من عملات أقطارهم, ولا شك أن هذا الخليط من العملات مع غياب عملة رسمية موحدة, أدّى إلى فوضى في التعامل وأثّر على العمل التجاري والرسمي, وعندها أدرك الملك عبدالعزيز عظم المشكلة ورغبة منه في تحقيق مصلحة البلاد الاقتصادية والسياسية, أصدر - رحمه الله - عام 1346هـ / 1927م أول نظام للنقد باسم نظام النقد الحجازي النجدي المسمى بالنقد العربي .

وتوالت بعدها الإصدارات المالية من الريال العربي وفئاته من الفضة حتى أصبح في المملكة قاعدتان للعملة النقدية, قاعدة المعدن ويمثلها الذهب والفضة, وقاعدة العملة الورقية, وهذا النظام النقدي كان له تأثير كبير على موازنة الدولة من حيث تقدير الواردات سواء كانت من الموارد المحلية أو من الجمارك على الواردات الخارجية أو من النفط المرتبطة أسعاره بالعملات الأجنبية .

وفي شؤون الميزانية, فقد تطورت مراحل إعداد الميزانية في المملكة وإجراءاتها تبعًا للمراحل التي مرّ بها تنظيم المملكة الإداري ونمو مواردها المالية, وقد بدأ أول تنظيم للميزانية مع تكوين المجلس الأهلي بمكة المكرمة عام 1343هـ / 1924م, وأخذ إعداد الميزانية في التطور إلى أن صدرت ميزانية عام 1365هـ / 1945م, وفيها بيانات تفصيلية بالمبالغ التي استحصلت من كل مورد, وكذلك المبالغ التي اعتمدت لجميع الدوائر والمصالح الحكومية.

وتناول الفصل الخامس من الكتاب, تنظيم الدوائر العسكرية, حيث يشير المؤلف إلى أن دراسة الشؤون العسكرية عامة والتنظيمات الأمنية بصفة خاصة, من أصعب الأمور التي تصادف الباحث, نظرًا لأن بعض المعلومات لم تسجل أحيانًا ومفقودة أحيانًا أخرى ومنسيّة في حالات كثيرة, كما أن بدايتها تتسم بشيء من الغموض ونهايتها تحكمها دواعي السرية, وذلك ينطبق على دراسة تنظيم القوات العسكرية وتنظيم قوى الأمن الداخلي المتمثلة في وزارتي الدفاع والداخلية .

وتشكلت وكالة الدفاع بأمر ملكي صدر في شهر جمادى الآخرة عام 1353هـ, وربطت بوزير المالية شخصيًا, ومن أبرز التنظيمات التي أنجزتها وكالة الدفاع هي إعادة تشكيل الوحدات وإعطائها أسماء تبين ملامح مهامها وطبيعة تكوينها .

كما أنشأت المدرسة العسكرية بمرسوم ملكي عام 1348هـ وتطورت القطاعات العسكرية ولكنها كانت مركّزة في الحجاز مما يشكّل نقطة ضعف عسكري أساسي, وتنبّه الملك عبدالعزيز إلى هذه المشكلة واصدر قرارات, الأول منها يقضي بإعادة النظر في توزيع القوات العسكرية على أن تكون نجد من أهم مراكز تجمع القوات العسكرية, وتأسيس قيادة عليا أسندت لولي العهد وفي نفس العام أحدثت رئاسة الأركان .

مما تقدّم يتضح أن بناء الجيش السعودي كان يسير بخطوات ثابتة ومتقنة أدت إلى اكتمال المقومات الأساسية من مراكز للتدريب ووحدات ميدانية نشرت في معظم مناطق المملكة وتطلب الأمر خطوة ثالثة لرفع مستوى جهاز الإشراف الإداري, فتأسست وزارة الدفاع, وعيّن الأمير منصور بن عبدالعزيز وزيرًا لها ومفتشًا عامًا, وفي عهده أخذت النهضة العسكرية تسير بسرعة, فقد اهتم بالتعليم العسكري والتدريب في الداخل والخارج فاستقدم بعثتين بريطانية وأمريكية لتدريب الجيش وتوسّع في الابتعاث لدراسة المتطلبات العسكرية التي لا يمكن تحقيقها في الداخل, وأستحدث تشكيل سرايا آلية ومتحركة وأسس ورشة للأسلحة وأخرى للنجارة ومطبعة للجيش وشرع في بناء المصانع الحربية وأنشأت النوادي العسكرية والمستشفيات العسكرية, وفي ظل هذا التطور في القوات العسكرية واتساع تشكيلاتها وفروعها أعيد تسمية وزارة الدفاع في 7/7/1371هـ إلى وزارة الدفاع والطيران والمتفشية العامة للجيش, وأصبحت تضم الطيران الحربي والطيران المدني والبحرية.

كما تشكّل تنظيم قوى الأمن الداخلي, الذي يضم القوات المسلحة المسؤولة عن المحافظة على النظام وصيانة الأمن العام وتوفير الراحة العامة بمنع الجرائم قبل حدوثها وضبط مرتكبيها وترعى هذه القوات وزارة الداخلية .

ويشير المؤلف إلى أن وزارة الداخلية مرّت بعدة مراحل تتطور مع تطور وتوسع التشكيلات الحكومية, وأنشئت فروع جديدة وكثيرة تتبع وزارة الداخلية تقوم على خدمة الشعب ومن هذه الفروع ( الأمن العام ), حيث أولى الملك عبدالعزيز جل اهتمامه بموضوع استتباب الأمن .

كما تشمل أفرع الوزارة ( الشرطة ) التي توسعت تشكيلاتها وتعددت فروعها في جميع مدن المملكة, وسلاح الحدود حيث أنشأ الملك عبدالعزيز المخافر على المنافذ وسيّر الدوريات على الحدود وكلّف مراكز الأمارات والجمارك والشرطة والهجانة وبعض وحدات الجيش بأمن الحدود, واهتم بحماية ساحلي المملكة الشرقي والغربي, وأنشأ مصلحتين لخفر السواحل في فترة مبكرة من تاريخ المملكة في كلٍ من الأحساء وجدة .

ويتبيّن من هذا العرض لتنظيمات الملك عبدالعزيز الإدارية, أن هنالك عناصر مشتركة بين هذه التنظيمات في تطورها من حيث الدوافع التي استوجبت إدخالها أو من حيث المراحل التي مرت بها, وهي مراحل تكاد تكون متطابقة, ولهذا تميزت إدارة الملك عبد العزيز بالتدرج والمرحلية في إدخال التنظيمات وتطويرها متأثرة بمراحل تطور الدولة السياسي, الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل متتابعة مرحلة البساطة وتكوين نواة الدولة في نجد, ومرحلة المجالس التي بدأت بصورة مبسطة في بعض الجوانب بعد ضم الأحساء إلا أنها أخذت صورتها النهائية بعد انضمام الحجاز, ومرحلة التوحيد الإداري التي خضعت فيها كامل مناطق المملكة لتنظيم إداري موحد مصدره الجهاز المركزي للدولة, ويأتي في خاتمتها قيام مجلس الوزراء .


الملك عبد العزيز أنا رجل عمل إذا قلت فعلت وعيب علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا اتبعه بالعمل

انتهج الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - في تعامله مع مواطنيه سياسة قائمة على الشورى والتناصح مع الرعية واغتنام الفرص لتبادل الرأي مسترشداً بما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف ، فكان لهذا النهج القويم الذي سار عليه أبناؤه من بعده الأثر الكبير فيما تعيشه المملكة وأهلها من تلاحم وتطور كبير قائم على تعاضد الدولة والمواطنين.

وتجسيداً لهذا النهج كانت لقاءات الملك عبدالعزيز مستمرة ومتواصلة مع المواطنين يقدم لهم النصح ويسدي لهم التوجيه ، ورغم أنه كان يعمل أكثر مما يقول إلا انه ترك لنا كلمات خالدة تسجل حكمته ورجاحة فكرة رأيه حيث كانت كلمته موقف يلتزم به ونهج يسار عليه وحق يصدع باطل الأعداء.

وجمعت وكالة الأنباء السعودية في هذا التقرير فقرات مختارة من أقوال وخطب الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ توضح نهجه السليم وتفكيره العميق ونظرته الصائبة إلى مختلف الأمور.

ففي الخطاب الذي ألقاه الملك عبدالعزيز يرحمه الله في الجلسة الافتتاحية لمجلس الشورى في السابع من ربيع الأول من عام 1349هـ الموافق الأول من أغسطس 1930م يتضح مدى إدراكه لأمور الدولة صغيرها وكبيرها وحرصه التام على تقدم هذه البلاد ورقي شعبها حيث يقول يرحمه الله مخاطبا أعضاء المجلس ..( إن أمامكم اليوم أعمالا كثيرة من موازنة للدوائر الحكومية ونظم من أجل مشاريع عامه تتطلب جهودا أكثر من جهود العام السابق وأن الأمة تنتظر منكم ما هو المأمول منكم من الهمة وعدم إضاعة الوقت الثمين إلا بما فيه فائدة البلاد المقدسة).

وقد حرص الملك عبدالعزيز يرحمه الله على إرساء مبادئ السياسة السعودية من منطلق تعاليم الدين الإسلامي الحنيف حيث أصبحت هي النهج الذي يتوخاه في كل علاقاته وتعاملاته مع الآخرين ومن خلال هذا النهج اكتسبت السياسة السعودية الصدق والوضوح الذي تسير عليه حتى اليوم في تعاملاتها مع كافة الدول.

وفي ذلك يقول الملك عبدالعزيز مخاطبا أعضاء مجلس الشورى ومحددا لهم الطريق الصحيح الذي يسلكونه والمنهج السوي الذي يسيرون عليه (وإنكم تعلمون إن أساس أحكامنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي وانتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقا لصالح البلاد على شرط ألا يكون مخالفا للشريعة الإسلامية لان العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيدا لأحد والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

كلمات وضع فيها قائد الإصلاح وموحد هذه البلاد تعاليم الإسلام دائما نصب عينيه ويعطيها الأولوية في جميع مناحي الحياة فما يتفق مع الإسلام يأخذ به وما يتنافى مع الإسلام يتركه غير مأسوف عليه.

ويواصل الملك عبدالعزيز خطابه إلى أعضاء مجلس الشورى يحثهم فيه على تأمين راحة الحجاج حيث يقول (ولا أحتاج في هذا الموقف أن أذكركم بان هذا البلد المقدس يتطلب النظر فيما يحفظ حقوق أهله وما يؤمن الراحة لحجاج بيت الله الحرام ولذلك فأنكم تتحملون مسؤولية عظيمة إزاء ما يعرض عليكم من النظم والمشاريع سواء كانت تتعلق بالبلاد أو بوفود الحجاج من حيث اتخاذ النظم التي تحفظ راحتهم واطمئنانهم في هذا البلد المقدس).

وقد أدرك الملك عبدالعزيز بثاقب بصره أن التلاحم والتواصل بين القيادة والشعب وسياسة الباب المفتوح هما من أفضل السبل وأنجعها لخدمة الوطن والمواطنين ولتقدم البلاد ورقيها.

ففي الحفل الذي أقامه الملك عبدالعزيز في جده في الخامس والعشرين من محرم عام 1355هـ الموافق السابع عشر من ابريل 1946م بمناسبة انتهاء موسم الحج وقرب سفره إلى الرياض قال يرحمه الله (المقصد من اجتماعنا الليلة أن نتناصح ونتعاضد ويطلع كل منا على ما عند الآخر من جهة ومن جهة أخرى لنودعكم لأننا على جناح سفر وسنغادر هذا البلد قريبا وانه ليعز علينا مغادرته ولكن المصلحة تقضي بهذه التنقلات ثم هناك مسألة أحب أن اشرحها لكم لان في نفسي منها شيء.

أنا لا أحب أن اشق على الناس ولكن الواجب يقضي بان أصارحكم.. إننا في اشد الحاجة إلى الاجتماع والاتصال بكم لتكونوا على علم تام بما عندنا ونكون على علم تام بما عندكم، وأود أن يكون هذا الاتصال مباشرة وفي مجلسي لتحملوا إلينا مطالب شعبنا ورغباته وتحملوا إلى الشعب أعمالنا ونوايانا.. إنني أود أن يكون اتصالي بالشعب وثيقاً دائما لان هذا ادعى لتنفيذ رغبات الشعب.. لذلك سيكون مجلسي مفتوحا لحضور من يريد الحضور.

أنا أود الاجتماع بكم دائما لأكون على اتصال تام بمطالب شعبنا وهذه غايتي من وراء هذا الاتصال.

واستمرارا على نهجه الكريم في توجيه النصح للرعية وشرح مالها وما عليها قال يرحمه الله في الخطاب الذي ألقاه في الحفل التكريمي الذي أقيم على شرفه بمناسبة سفره إلى الرياض في الثاني من صفر 1355هـ الموافق الرابع والعشرين من ابريل 1936م. (إن على الشعب واجبات وعلى ولاة الأمر واجبات.. أما واجبات الشعب فهي الاستقامة ومراعاة ما يرضي الله ورسوله ويصلح حالهم والتآلف والتآزر مع حكومتهم للعمل فيما فيه رقي بلادهم وأمتهم.

إن خدمة الشعب واجبة علينا لهذا فنحن نخدمه بعيوننا وقلوبنا ونرى أن من لا يخدم شعبه ويخلص له فهو ناقص.

ومن ذات المنطلق الذي أدار به الملك عبدالعزيز شئون بلاده ومواطنيه بنى ـ رحمه الله ـ علاقات بلاده مع أشقائها العرب والمسلمين وأقام علاقات قويه مع المجتمع الدولي.

وكان صريحا في تعامله مع كافة القضايا التي تهم أمته على كافة الأصعدة وقد أثبتت الأحداث المتعاقبة حتى يومنا هذا رؤيته الصائبة ونهجه الصحيح في كافة أقواله وأفعاله فكانت تلك الرؤية وذلك النهج القاعدة و الأساس القويم تسير عليها المملكة في جميع تعاملها داخليا وخارجياً.

ففي الخطاب الذي ألقاه يرحمه الله في المأدبة الكبرى التي أقامها لحجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة في 9 ذي الحجة عام 1364هـ الموافق 15 نوفمبر 1945م خصص الجانب الأكبر من خطابه للحديث عن قضية فلسطين حيث قال يرحمه الله (إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام وهي المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم. ومع إنني لا أحب كثرة الكلام وأفضل العمل الصامت المثمر فإنني أقول بصراحة أن السكوت عن قضية فلسطين لا يوافق المصلحة وقد سبق لي أن تكلمت مع أركان الحكومة البريطانية كما تحدثت مطولا مع الرئيس روزفلت وذكرت بكل صراحة الحيف الذي أصاب إخواننا عرب فلسطين والعنت والقهر اللذين خضعوا لهما وطالبت وطلبت من الرئيس الراحل إنصاف عرب فلسطين إن لم يكن بالمساعدات الفعلية فعلى الأقل الوقوف على الحياد وعدم مساعدة اليهود عليهم.

واليوم وذكرى اليوم الوطني تمر بنا ونحن نعيش واقعاً مشرقا أرساه المؤسس الباني الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل نستعيد ذلك البطل وهو يقول ( أنا لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير حساب أنا رجل عمل إذا قلت فعلت وعيب علي في ديني وشرفي أن أقول قولا لا اتبعه بالعمل وهذا شيء ما اعتدت عليها ولا أحب أن أتعوده أبدًا).

نعم كان صادق القول.. إذا قال عمل وإذا عمل أنجز.. كان صاحب مبدأ وصاحب منهج سار عليه أبناؤه من بعده متلمسين خطاه مع إضافة المزيد من الانجازات التي تسجل لهم في التاريخ بمداد من ذهب.


الملك عبدالعزيز رحمه لله  يأمر بجمع 1468 مجلدًا من الكتب النادرة

اهتم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - بجمع المؤلفات العلمية خلال حياته على الرغم من انشغاله بمرحلة بناء الدولة في ذلك الوقت، فكان شغوفًا بالإطلاع على الكتب العربية المعنية بمختلف العلوم خاصة العلوم الشرعيّة وطباعة معظمها على نفقته وتوزيعها مجانًا للاستفادة منها، ليتم حاليًا رصد 1468 مجلدًا نادرًا في مكتبته الخاصة.

وتناولت كُتب ودوريات مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة في مقرها بدارة الملك عبدالعزيز بالرياض، معارف نادرة ومتميّزة في مجالات العلوم الشرعية، والتراجم، والجغرافيا، والتاريخ الإسلامي والعام، واللغة العربية وآدابها، مرتبة وفق فهرسة رقمية تسهّل على الباحثين والدارسين عناء البحث في المجالات العلمية والفكرية والإسلامية.

وعدّت المكتبة مصدرًا مهمًا من مصادر التاريخ الحديث في المملكة العربية السعودية، خاصة ما يتعلق بعلاقة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بالعلم والمعرفة، كما تحمل كتبها في طياتها وأغلفتها عبارات وشواهد تاريخية سطرها العديد من المؤرخين والمؤلفين المعروفين في العالمين العربي والإسلامي في ذلك الزمان.

وفي ذلك السياق، قال المشرف على كرسي الملك عبدالعزيز لدراسات تاريخ المملكة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عمر بن صالح العمُري، إن الملك عبدالعزيز - رحمه الله - حرص أثناء حياته على نشر الكتب وطباعتها وتوزيعها على الناس عامة ولطلبة العلم خاصة في داخل المملكة وخارجها، كما ساعد بعض المؤلفين على الاستمرار في نشاطه العلمي من خلال شراء نسخ عديدة من الكتب المطبوعة وتوزيعها على نفقته الخاصة.

وأفاد أن الكتب التي أمر بطباعتها الملك عبدالعزيز إبان فترة حياته تخصّصت في مصنفات العقيدة، والتفسير، والفقه لأعلام السلف مثل : الشيخ أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن قدامه المقدسي، ومن ذلك كتابا "المغني" و"الشرح الكبير" اللذين ُطبعا على نفقة الملك عبدالعزيز عام 1340هـ، كما شملت الكتب التي طبعت تخصّصات اللغة العربية وآدابها، والتاريخ الإسلامي، والجغرافيا

وأوضح الدكتور العُمري أن أهم المطابع التي طبعت فيها المؤلفات المنشورة على نفقة الملك عبدالعزيز - اسكنه الله فسيح جناته - هي : المطبعة المصطفوية في بومباي بالهند، ومطبعة القرآن والسنة في أمرتسد بالهند، ومطبعتي المنار والنهضة في مصر، ومطبعتي الاعتدال والترقي في دمشق، والمطبعة السلفية في مكة المكرمة والقاهرة، ومطبعة أم القرى بمكة المكرمة.

وشهدت مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة عملية تجديد لمحتوياتها التي تعاني من تردي تجليدها أو تآكل ورقها نتيجة لقدمها، ضمن مشروع علمي تبرع بنفقته خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - حيث تم ترميم الكتب ومعالجتها فنيًا، علاوة على تجليدها بجلد فاخر يتلاءم مع أهمية هذه المكتبة وقيمتها التاريخية.

وقامت الدارة بإعادة فهرسة جميع مجلدات هذه المكتبة، وإعداد مستخلصات لمحتوى كل مجلد سواء كان كتابًا أو دورية، وتسجيل بيانات الوقفيّات والملكيّات والإهداءات المدونة عليها، وإعادة تصنيفها على نحو يعكس موضوعاتها، كما تم إدخال بيانات المكتبة في الحاسب الآلي وفهرسة مجلداتها خدمة للباحثين والمهتمين.

ووزعت أقسامها مابين المجلدات التي تتعلق برعاية الملك عبدالعزيز للعلوم والمعرفة، وجهوده الملموسة في طباعة الكُتب على نفقته الخاصة، ومابين عدد من الكتب المهداة إليه - رحمه الله - وعليها التوقيعات الشخصية التي سجلها الكتّاب العرب والمسلمين باسم الملك عبدالعزيز تقديرًا وامتنانًا منهم إليه لاهتمامه بالعلوم ودعم العلماء.

وعملت دارة الملك عبدالعزيز على دراسة الكتب المتعلقة بتاريخ الملك عبدالعزيز - رحمه الله - والمملكة عمومًا خاصة التي وردت إليها من جهات حكومية وغير حكومية، وقدمت تقاريرها وملحوظاتها وتصويباتها اللازمة عن تلك الكتب، وهو ما ساعد على تصحيح الكثير من أفكار هذه المؤلفات، ليبلغ إجمالي مادرسته الدارة وفحصته من كتب وبحوث محالة إليها عن تاريخ المملكة أكثر من 320 كتابًا وبحثًا.

الملك سلمان ومسيرة 30 عاماً من المبادرات الإنسانية لذوي الإعاقة

أسس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - تفعيل فكرة مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة، كعمل خيري، منطلقاً من مبادئ وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي يحث على التكافل، ومن الحاجة الملحة لمواجهة التزايد المطّرد لحالات الإعاقة بمختلف أنواعها، وما يتبع هذه الإعاقة من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية تثـقل كاهل المجتمع بمختلف فئاته، لأن قضية الإعاقة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية بعيدة الأثر والتأثير، مما يستوجب التعاون والتكامل لمواجهتها بمنهجية علمية وبخطط هادفة .

وكانت البداية قبل نحو ثلاثين عاماً مع توجيهه رعاه الله - حين كان أميراً للرياض آنذاك - ببدء أنشطة جمعية الأطفال المعوقين من أروقة جمعية البر بالرياض، إلى جانب تقديم الدعم المالي لمشروع الجمعية الأول، وذلك في إطار عنايته الكريمة، الذي استشرف بحسهِ الإنساني أهمية أهداف الجمعية تجاه هذه الفئة الغالية من الأطفال، وضرورة برامجها العلاجية والتعليمية والتأهيلية لمساعدة هؤلاء الأطفال علي تجاوز حالة العزلة عن المجتمع.

وتبع ذلك إنشاء مركز متخصص لتقديم الخدمات المجانية للأطفال المعوقين وبدعم منه - أيده الله - حصلت الجمعية على الأرض التي أُقيم عليها مشروع مركز الرياض، وذلك تبرعاً من مؤسسة الملك فيصل الخيرية، ومع بدء أعمال الإنشاءات والتجهيزات في أولى مراكز الجمعية كانت له - حفظه الله - إسهامات في العناية بهذا المركز الوليد، إلى أن قام - أيده الله ونيابة عن خادم الحرمين الشريفين- آنذاك -الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله ـ بافتتاح مركز الرياض في 9 /2 /1407هـ.

إن علاقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ مع قضية الإعاقة واحتياجات المعوقين تمثل ليس فقط جانباً من أولويات واهتمامات شخصيته الإنسانية الفريدة، ولكن أيضا رؤيته - أيده الله - لأهمية استثمار قدرات كافة فئات المواطنين في مسيرة تنمية المجتمع، وقناعته بأننا جميعاً شركاء لنا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات.

وقد تفضل ـ أيده الله ـ بتبني فكرة أنشاء مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة فور عرضها عليه ـ حفظه الله ـ، وقدم منحة تأسيسية قدرها (عشرة ملايين ريال)، كما تكرم بعرض الموضوع على أنظار المقام السامي الكريم الذي تفضل بالأمر بدعم المركز ( بعشرة ملايين ريال)، وتوالت رعايته لمختلف أنشطة المركز وفعالياته مادياً ومعنوياً على مدى مسيرة المركز العلمية.

وتقديراً للدور الكبير الذي قام به خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - وحرصه على أن يؤتي المركز ثماره، ويستمر في عطاءه ولأهمية استمرار التواصل معه ـ رعاه الله ـ عرفاناً بالجميل وإرجاع الفضل لأهله قرّر مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين في اجتماعه الثالث والأربعين بتاريخ 6 جمادى الآخرة سنة 1412هـ تسمية المركز باسم الأمير سلمان بن عبدالعزيز، والتماس موافقة على ذلك، فجاءت موافقته ـ حفظه الله ـ على تسمية مركز الأبحاث باسم (مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة)، ثم أصبح لاحقاً يحمل اسم (مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة) .

واستمراراً لدعم الملك سلمان بن عبد العزيز للمركز، تفضل ـ حفظه الله ـ بالتوجيه للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بتخصيص مقر للمركز في موقعه الحالي بحي السفارات بمنطقة الرياض، وذلك ضمن مبنى تابع للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض التي كان يرأسها آنذاك.

وبدعم تأسيسي كريم منه - حفظه الله - تم إنشاء مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة عام 1411هـ (الموافق 1990م)، كمركز بحث علمي متخصص في علوم وأبحاث الإعاقة يهدف إلى إرساء قواعد الوقاية والرعاية في هذا المجال على أسس ودراسات علمية، يؤمل معها تطويع نتائج الدراسات والأبحاث التطبيقية لتلمس الطرق والوسائل الناجحة للوقاية منها والرعاية المثلى للمصابين بها، وأن يتيح المجال لتنسيق أفضل لإجراء البحوث العلمية وتطبيق نتائجها في مجال تخصصه.

وفي ضوء هذه الجهود، قام صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز ـ رئيس مجلس إدارة الجمعية آنذاك ـ ببحث أبعاد الدراسات والآراء والمقترحات التي قدمتها اللجان الاستشارية، ومدى استجابتها للأهداف الرامية لتطوير وتنمية خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة، ومدى الحاجة للبحث العلمي والدراسات في مجال الإعاقة من خلال إنشاء مركز متخصص، وخلص سموه إلى أهمية إيجاد مركز بحث علمي يعنى بالأبحاث والدراسات في مختلف مجالات الإعاقة. وتم إعداد لائحةٍ لهذا المركز، وعرضها على مجلس الإدارة الذي وافق عليها، وتمّ إخضاعها للمراجعة والتعديل، لتصبح بعد ذلك المنهج الأساسي للمركز ليمضي المركز في أعماله وتفعيل أهدافه.

وتبنى الفكرة ورعاها رائد الأعمال الإنسانية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود المؤسس والرئيس الأعلى للمركز حتى رأى هذا المركز النور، ليكون لبنة من لبناته الخيرة ـ أيده الله ـ التي شملت جميع المجالات التي تخدم فئات الأشخاص ذوي الإعاقة وأدت الرعاية الكريمة والدعم المتواصل أن أصبح المركز الوحيد في العالم العربي والإسلامي الذي يعنى بالبحث العلمي المتخصص بقضايا الإعاقة.

ويقوم المركز على تأسيس أفضل التطبيقات العلمية على قاعدة بحثية موثقة، وإعداد برامج علمية تهدف إلى التصدي للإعاقة ومعرفة مسبباتها، والاكتشاف والتدخل المبكر لها، وتسخير نتائج البحوث ومخرجاتها لأغراض التخطيط والتقييم في مختلف مجالات الوقاية والرعاية والتأهيل، وما من شأنه العمل على تخفيف معاناة الإعاقة وتحسين ظروف ذوي الإعاقة ليصبحوا قوى عاملة منتجة ومشاركة في بناء المجتمع.

وأسهم المركز بفاعلية في تنفيذ العديد من المنجزات الوطنية في مجال تخصصه، وعلى سبيل المثال نظام رعاية المعوقين، والبحث الوطني لدراسة حالات الإعاقة لدى الأطفال في المملكة الذي أعطى المؤشرات الأولية لوضع إستراتيجية شاملة للأبحاث، وبرنامج الكشف المبكر لأمراض التمثيل الغذائي لدى الأطفال حديثي الولادة الذي سيسهم في إنقاذ مئات الأطفال من الإعاقة بإذن الله، إلى جانب تنفيذ العديد من الأبحاث المبنية على أسس علمية لإيجاد حلول تطبيقية على أرض الواقع.

وينفذ المركز برامجه ومشاريعه البحثية من خلال التعاون والشراكة التي تربطه مع عدد من المؤسسات العلمية ومراكز البحث العلمي والمرافق الصحية والتربوية داخل المملكة وخارجها، ويتبادل معها الخبرات للوقوف على أحدث المستجدات ومواكبة سير البحث العلمي وتطبيقاته في مجال رعاية المعوقين والوقاية من الإعاقة

أما أهم الإنجازات العلمية والبحثية للمركز فهي : البرنامج الوطني للفحص المبكر لحديثي الولادة للحد من الإعاقة، حيث تم فحص ما يقارب الـ (775.000) مولود منذ بداية البرنامج، والكشف على وتشخيص (743) حالة من المستشفيات المشاركة حاليًا ، حيث بدأ البرنامج بخمس مستشفيات، ليتجاوز عدد المستشفيات المشاركة بالبرنامج حاليا 140 مستشفى، ويرتفع عدد الأطفال المفحوصين من 7500 طفل في السنة الأولى للمشروع ليصل إلى أكثر من 200.000 خلال عام 2013م.

فيما يعني البرنامج الوطني لسهولة الوصول الشامل بتصميم منتجات ومباني ومساحات خارجية يمكن استخدامها من قبل جميع الأشخاص إلى أقصى حد ممكن، كما أن هذا الأمر يتضمن تصميم تقنية ومعلومات وبيئة تواصل بجانب تقديم البرامج والخدمات والأنشطة، وممارسة الحقوق المدنية والاجتماعية والدينية والثقافية في المجتمع مطلب أساسي لمشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في التنمية الاجتماعية، والحصول على الفرص التعليمية والوظيفة والسكنية والقدرة على المساهمة في المجتمع، ويشير الوصول إلى حرية الاختيار في الدخول والتوجه والتواصل، ويتمثل المبدأ الأساسي لسهولة الوصول الشامل في مفهوم التصميم الشامل، أي تكامل سمات سهولة الوصول داخل البيئة الإنشائية والنقل في مراحل التخطيط مع الاهتمام بجميع المستفيدين بصرف النظر عن إعاقتهم.

وفي هذا الإطار قام مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة بتصميم الأدلة الإرشادية الأربعة لبرنامج الوصول الشامل وهي الدليل الإرشادي للوصول الشامل في البيئة العمرانية، وسائط النقل البرية، وسائط النقل البحرية والدليل الإرشادي للوصول الشامل للوجهات السياحية وقطاعات الإيواء. حيث تم تقديمها للجهات العليا لإقرارها والتوجيه بالعمل بها. وقد تجسد اهتمام حكومة المملكة بالمعوقين بصدور التوجيه السامي الكريم رقم (35362) وتاريخ (22-9-1434هـ) بتبني برنامج الوصول الشامل على المستوى الوطني.

وتكاتفت جهود العديد من الجهات في تنفيذ هذا البرنامج من خلال برنامج شراكة أقامه المركز مع كل من وزارة النقل، وزارة الشؤون البلدية والقروية، وزارة الداخلية وعدد من الجهات الأكاديمية المحلية والدولية.

ومن ضمن البرامج التي يتبناها المركز البرنامج الوطني لصعوبات التعلم ويهدف إلى تطوير وتقنين اختبارات تشخيصية لتقييم والتعرف على صعوبات التعلم لدى التلاميذ، وكذلك تطوير استخدام تقنيات الحاسب الآلي لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، لاستخدام استراتيجيات تعليمية للتغلب على صعوبات التعلم.

ومن ضمن هذا البرنامج سيتم تطوير قاعدة معلومات للتعرف على أعداد الطلاب ذوي صعوبات التعلم، وتحديد هذه الصعوبات وتوزيعهم الجغرافي، وتكوين طرق تداخلية للتغلب على هذه الصعوبات، وهذا البرنامج يعد شراكة بين المركز وكل من وزارة التربية والتعليم وعدد من الجهات الأكاديمية السعودية والعالمية، كما أنشئ برنامج ابتعاث لذوي الاحتياجات الخاصة ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، وعلى إثر ذلك قام المركز بابتعاث أكثر من (100) طالب بالتعاون مع وزارة التعليم العالي.

ومن أهم الإنجازات البحثية للمركز، بحث طبي عن أحد موروثات التوحد التي قد ترتبط بتصخر العظم مع الحامض الكلوي ألأنابيبي ، حيث قام المركز بعدة دراسات علمية للتعرف على الموروثات التي لها علاقة بمرض التوحد ودراسات مستفيضة في مجال المخ والأعصاب بالشراكة مع مراكز بحثية محلية وعالمية، وكذلك للبحث عن المؤشرات الجينية والعصيبية السلوكية للتوحد لدى الأطفال السعوديين .

ويتضمن برنامج سلطان بن عبد العزيز للأبحاث المتقدمة في مجال الإعاقة عدد من المشاريع البحثية المتخصصة في مجالات الشفرة الوراثية والخلايا الجذعية، واستخدامات الروبوت، وعلى سبيل المثال وليس الحصر: تحديد الأساس الجيني للصمم الوراثي بالمملكة العربية السعودية، والصفات المرضية والجينية لمرض الحثل العضلي الطرفي في المملكة، والعلاج الجيني باستخدام موروثة MERTK لمرضى حثل الشبكية، والعلاج باستخدام الخلايا الجذعية في أبحاث الإعاقة - تفاعلات الخلايا الجذعية مع البيئة الالتهابية في مرض التصلب المتعدد وأمراض الانتكاس العصبي وأمراض أخرى في الجهاز العصبي المركزي، وتطوير علاج الخلايا الجذعية الذاتية لمرضى الاعتلال الشرياني الطرفي الحاد للطرف السفلي.

ومن أهم المشروعات للمركز مشروع تطوير نظام التقييم لمراكز الرعاية النهارية الذي يهدف إلى وضع أسس علمية عالمية مقننة، لتقييم وتقويم مراكز الرعاية النهارية لتكون كوثيقة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية تساعدها على صياغة نظام متكامل يمكنها من تح