جائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للشباب العربي الدولية






أوتار على اليوتيوب




واشنطن تتحدث عن سلام في فلسطين وتحشد لحرب على سوريا/بقلم: د.إبراهيم ابراش

16/03/2015 16:06
|

الحديث اليوم عن مبادرة أمريكية جديدة يُروِج لها وزير الخارجية جون كيري لتحريك ملف التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير منقطع الصلة بما يجري من حرب في وعلى سوريا والتداعيات المستقبلية لها.ففي منطقة الشرق الأوسط تتداخل القضايا وتتشابك،يتداخل الماضي مع الحاضر،الديني مع الدنيوي ،الاقتصاد مع السياسة ،الأيديولوجيا مع المصالح ،وأيضا تتداخل القضية الفلسطينية مع نفط الخليج والصراعات المذهبية ومع ما يسمى بالربيع العربي والإرهاب الخ.ولذا لا يمكن لمن يتعامل مع مشكلة الشرق الأوسط ،وخصوصا الدول الكبرى، إلا أن يأخذ بعين الاعتبار كل هذا القضايا.

فمنذ التوقيع المفاجئ في عمان الشهر الماضي على اتفاقية الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس أصبح من الواضح أن شيئا ما يجري لتحريك ملف التسوية في الشرق الأوسط وتأكد ذلك من خلال جولات جون كيري المكوكية والتي توجت بطرح ما يسمى بمبادرة كيري لإحياء عملية التسوية ،ثم جاء القبول العربي بمبدأ تبادل الأراضي وتأكيد القيادة الفلسطينية موافقتها على هذا المبدأ لتصبح الصورة أكثر وضوحا. إن كان كيري يتحدث عن مبادرات حسن نية من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تساعد الطرفين على العودة لطاولة المفاوضات،كتجميد الاستيطان مؤقتا ومنح السلطة الفلسطينية مزيدا من الصلاحيات في مناطق فلسطينية مع إغراءات اقتصادية تقدمها واشنطن والجهات المانحة للسلطة لتنشيط الاقتصاد الفلسطيني،مقابل عودة الفلسطينيين لطاولة المفاوضات ووقف الخطوات الفلسطينية نحو المنتظم الدولي ومؤسساته وخصوصا نحو محكمة الجنايات الدولية ،ومتشجعا بنظام رسمي  عربي – جامعة الدول العربية - تقوده دولة قطر ،نظام بات أكثر طواعية للإستراتيجية الأمريكية في المنطقة بل ومستعد للذهاب بعيدا في المساومة على القضية الفلسطينية ،بالرغم من ذلك فإن الخفي من الحراك الأمريكي – العربي أكبر بكثير مما هو معلن ،ذلك أن تحريك الملف الفلسطيني ليس هدفه حل القضية الفلسطينية بل توظيف تحريك ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية للتفرغ لقضايا أكثر أهمية إستراتيجية من وجهة نظر واشنطن وأنظمتها العربية .

إن ما يجري هذه الأيام يُذكرنا بما جرى قُبيل غزو العراق عام 2003، ولكن يبدو أن العرب لا يقرؤون ولا يستفيدون من التاريخ حتى المعاصر منه ، وفي ظني انه في زمن الثورة المعلوماتية وانتشار التعليم لم يعد مجالا للحديث عن تخلف وجهل القيادات والنخب العربية لأن الحديث عن جهلها وتخلفها يكون مبررا لتبرئتها من المسؤولية عما يجري،فالقيادات تُدرك ما تفعل وتعلم جيدا نتائج أفعالها ولكنها تنحاز لمصالحها ،ومصالح القيادات باتت تلتقي أو تتقاطع مع المصالح الغربية في المنطقة وأحيانا مع المصلحة الإسرائيلية ،وبالتالي فالرؤية الرسمية العربية المبنية على المصلحة  ليست رؤية الشعب المعبرة عن مصالح الشعب وثوابته الوطنية ،ولم تختلف الصورة كثيرا في زمن الانكشاف العربي أو ما يسمى بالربيع العربي حيث التحالف والعلاقات الإستراتيجية بين واشنطن لا يستثني أحد من الأنظمة العربية القائمة.

قُبيل الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 كانت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية قد وصلت لطريق مسدود وكان الوضع في فلسطين محتقن،وبعد كامب ديفد الثانية تجاهل الرئيس الأمريكي القضية الفلسطينية وكان القرار الأمريكي الإسرائيلي بالتخلص من الرئيس أبو عمار ومن سلطته.ولكن ولأن واشنطن كانت تتهيأ لغزو العراق وتقوم بتحريض العالم على نظام صدام حسين وتُلصق به كل التهم التي ثبت أنها غير صحيحة مثل امتلاك أسلحة دمار شامل والعلاقة بتنظيم القاعدة الخ ،وكانت تحشد الجيوش لغزة العراق ، ولأنها كانت تعرف أن غزو العراق لن ينجح بدون موافقة بل ومشاركة رسمية عربية ،وأن العرب سيكونون محرجين بالمشاركة في احتلال أمريكي للعراق ما دامت فلسطين محتلة وعملية السلام متوقفة ،لذا تحركت واشنطن لتهيئة الأوضاع عربيا من خلال تحريك عملية المفاوضات مجددا ،وكان ذلك على ثلاثة مسارات : -

  1. 1)ضمان تهدئة الجبهة الفلسطينية وهو ما نصت عليه خطة خارطة الطريق التي جعلت المرحلة الأولى من تنفيذ الخطة هي وضع حدد للعنف في مناطق السلطة وهذا ما تم من خلال تعزيز التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل،وسبق ذلك قيام إسرائيل بتدمير جزءا كبيرا من مؤسسات السلطة ومقراتها الأمنية في الضفة وغزة.
  2. 2)تشجيع العرب على التقدم بمبادرة سلام وهذا ما تم مع مبادرة السلام العربية التي تم تبنيها في قمة بيروت في مارس 2002.
  3. 3)

وسط الانشغال العربي والفلسطيني بالمبادرة العربية وبخطة خارطة الطريق حدث الغزو الأمريكي للعراق بعد أشهر – مارس 2003 -والذي لم يقف عند حد إسقاط نظام صدام حسين بل أدى لتدمير الدولة والمجتمع العراقي وخلق الفتنة المذهبية والتي ما زال العراق يعاني من تداعياتها بالإضافة إلى انتشار القواعد الأمريكية في الخليج .

اليوم يتكرر السيناريو نفسه ولكن هذه المرة مع سوريا – وقد صدق صدام حسين عندما حذر الحكام العرب الذين تآمروا عليه مع واشنطن بان مصيرهم سيكون كمصيره – فبعد أن هيأت واشنطن المناخ النفسي والإعلامي واللوجستي لتدخل عسكري ضد سوريا ملصقة بالنظام السوري كل التهم وأخرها استعماله لأسلحة كيماوية ،تريد أن تضمن سكون الجبهة الفلسطينية والعربية الشعبية وهو الأمر الذي عملت عليه من خلال ثلاثة مسارات :-

  1. 1)ضمان إخراج حركة حماس وقطاع غزة من جبهة المقاومة وضمان عدم تدخلهم في حالة حدوث أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي على سوريا أو لبنان أو إيران ،وهذا ما تم من خلال اتفاقية الهدنة التي تم توقيعها برعاية مباشرة من الرئيس المصري محمد مرسي وتم الإعلان عنها في مؤتمر صحفي حضر فيه وزير الخارجية الأمريكي يوم 22-11-2012 بعد العدوان الأخير على قطاع غزة وهو عدوان جاء بعد أيام من زيارة أمير قطر للقطاع ،وأيضا من خلال سحب حركة حماس من المربع السوري الإيراني وحزب الله وربطها بمربع قطر ومصر وواشنطن، من خلال إغراءات مالية سخية من قطر ومن خلال وعود بمساعدة  حركة حماس على الهيمنة على التمثيل الفلسطيني .
  2. 2)تحريك مبادرة السلام العربية بعد عشرة سنوات من الجمود مع استعداد لتنازلات جديدة  من خلال الإعلان عن القبول بمبدأ تبادلية الأراضي .
  3. 3)طرح مبادرة أمريكية سياسية جديدة لتشجيع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للعودة لطاولة المفاوضات ،وهي مبادرة جون كيري المشار إليها .

لا غرو أن واقع حال منظمة التحرير لا يؤهلها للانقلاب على نهج التسوية وإن كانت تستطيع تحسين شروطها من خلال رفض تقديم تنازلات بأي شكل كان وعدم الانخداع بخطاب التسوية الذي تروجه واشنطن لان هدف واشنطن ومن خلال مبادرة كيري ليس حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي،بل إشغال الفلسطينيين والعرب بمبادرة كيري حتى تتفرغ واشنطن للتدخل العسكري من خلال تحالف دولي في سوريا .لأن واشنطن تدرك أن الحرب في سوريا وما ستتمخض أكثر خطورة من كل التحركات العربية وما أنتجت سواء في تونس أو مصر أو ليبيا، فالحرب على سوريا ستكون لها تداعيات إستراتيجية كتداعيات الحرب على العراق أو أكثر،وسواء سقط نظام بشار الأسد أو تم تقسيم سوريا فإن تداعيات الحرب على سوريا ستؤثر على لبنان والأردن والعراق وإيران ,وعليه فإن التعامل مع مبادرة كيري يجب أن لا يعمينا عن رؤية الأهداف الحقيقية للمبادرة . ونتمنى من القيادة الفلسطينية الحذر من المناورات الأمريكية الإسرائيلية القطرية .إن الواقع يقول بأنه في ظل الحالة الفلسطينية الانقسامية والحالة العربية في ظل الانكشاف والتبعية المتزايدة للغرب ،لا يمكننا الآن فرض سلام عادل يحقق لنا ولو الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة .

 ‏2013‏-05‏-14

Ibrahemibrach1@gmail.com

www.palnation.org