جائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للشباب العربي الدولية






أوتار على اليوتيوب




فرصة تضيع /بقلم : ذ. رشيد تجان

15/09/2017 10:45
|

          كانت الريح شديدة ذلك المساء، والأشجار تتساقط أغصانها الغضة. أذيع على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية أن إعصارا يتكون على مسافة قريبة من المدينة، والطقس ينبئ بأمطار طوفانية ستصيب المنطقة برمتها، لذلك على جميع السكان اتخاذ الحيطة والحذر مما هو آت، وقد يكون كارثيا. تحدثنا عن الأمر بأصوات خافتة، وفي مجموعات صغيرة جدا في المعامل والمدارس والأسواق والمصحات وحتى المقابر...، تكلمنا بحذر شديد كأننا نخاف من تقلب الجو أن يسمعنا وينتقم منا.

            على الساعة السابعة مساء، وبعد عودتنا إلى منازلنا من المعامل والمدارس وحتى من المقاهي، بدأت الأمطار تتساقط على شكل رذاذ ما لبث أن تحول إلى أمطار شديدة كأنها الوابل. في بداية الأمر اعتبرنا المسألة سحابة صيف عابرة، غير أنها كانت أكبر مما تصورنا. تحركت الهواتف الذكية ترسل صورا لمناطق من المدينة غمرتها المياه واجتاحها الفيضان. تهدمت منازل حسب الأخبار الصادرة عن القناة التلفزية المحلية، عائلات تشردت وأخرى فقدت ما تملك. وتستمر الأمطار في التساقط. انقطع التيار الكهربائي بعد ساعات، خيم الظلام على المدينة، تسرب الماء إلى مساكننا، أصبحنا تحت رحمة السماء، ماذا عسانا نفعل، الأمطار غزيرة، منسوب المياه يرتفع، ضجيج في الشوارع والأزقة، الرجال يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أثاث. والأطفال يتصايحون وبعضهم يبكون، والنساء يولولن، والشيوخ يطلبون اللطف في القدر، ورجال الإطفاء لا يعرفون من أين يبدؤون، الكل في حيرة من أمرهم. بيتنا القديم على هامش المدينة، بيت جدي، الذي بُنِيَ في المنتصف الأول من القرن الماضي بحجارة وطين لا يقوى على هذا الكم الهائل من الأمطار، وعلى هذه السيول الجارفة والمياه المتزايد منسوبها ارتفاعا، تداعت بعض جدرانه وتسرب إليه الماء من ثقب أُحْدِثَ في الجدار من ناحية الزقاق، شيئا فشيئا توسع قطره. حاولنا جمع ما يمكن جمعه من أثاث وأوراق مهمة، لكن الكارثة كانت أكبر.

          استسلمنا لحالنا الذي اعتبرناه قضاء وقدرا إلى أن انبلج الصبح، وأرسلت الشمس خيوطها الدافئة بعدما انقشعت السحب عن السماء. ظهر حجم المصيبة، وما آلت إليه المدينة من دمار. عدت إلى البيت، كنت قد غادرته لتفقد بعض الأهل في الجهة السفلى من الحارة حتى أرى ما يجب فعله. رميت طرف عيني نحو الأنقاض، في بهو البيت، وجدت بينها ملفا وضعته أمس على طاولة الأكل، يحمل بعضَ الوثائق واستدعاءً لتسلم وظيفة بإحدى المؤسسات، حتى أخرج من عطالة تآكلَ العظمُ من جرائها، لكنه تشبع بالماء وتفتتت أوراقه واختلط مداده... .



                                                                            الدار البيضاء في 26/ 03 / 2017